٥٨

{ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ}.

اعلم أن قوله: {ولما جاء أمرنا} أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم اللّه بها سبع ليال وثمانية أيام، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية.

فإن قيل: فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟

قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها، فتخطف الحيوان من الأرض، ثم تضربه على الأرض، فكل ذلك محمل.

وأما قوله: {نجينا هودا} فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معا، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذابا على الكافر، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة اللّه تعالى أن ينجي المؤمن منه، ولولا ذلك لما عرف كونه عذابا على كفرهم، فلهذا السبب قال اللّه تعالى ههنا: {نجينا هودا والذين ءامنوا معه}.

وأما قوله: {برحمة منا} ففيه وجوه:

الأول: أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من اللّه،

والثاني: المراد من الرحمة: ما هداهم إليه من الإيمان باللّه والعمل الصالح.

الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت، وميزهم عن الكافرين في العقاب.

وأما قوله: {ونجيناهم من عذاب غليظ} فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا، والنجاة الثانية من عذاب القيامة، وإنما وصفه بكونه غليظا تنبيها على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذابا غليظا، والمراد من قوله تعالى: {ونجيناهم} أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه.

﴿ ٥٨