٧٠

ثم قال تعالى: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي إلى العجل، وقال الفراء: إلى الطعام، وهو ذلك العجل {نكرهم} أي أنكرهم.

يقال: نكره وأنكره واستنكره.

واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان مشغوفا بالضيافة.

وأما إبراهيم عليه السلام.

فنقول: أما أن يقال: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر، أو يقال: إنه كان عالما بأنهم من الملائكة.

أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران:

أحدهما: أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها،

وثانيها: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف.

وأما الاحتمال الثاني: وهو أنه عرف أنهم ملائكة اللّه تعالى، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضا أمران:

أحدها: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره اللّه تعالى عليه:

والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه.

فإن قيل: فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر؟

قلنا: أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة اللّه تعالى فله أن يحتج بأمور:

أحدها: أنه تسارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك.

وثانيها: أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر،

وثالثها: أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة.

وأما الذي يقول: إنه عرف ذلك احتج بقوله: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط} ومعناه: أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى، وهو قوله: {إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة} (الذاريات: ٣٣).

﴿ ٧٠