٨٠

قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً

ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال: {لو أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد} وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: جواب "لو" محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير: لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى: {ولو أن قرانا سيرت به الجبال} (الرعد: ٣١) وقوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} (الأنعام: ٢٧) قال الواحدي وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع.

المسألة الثانية: {لو أن * بكم قوة} أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال اللّه تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} (الأنفال: ٦٠) والمراد السلاح، وقال آخرون القدرة على دفعهم، وقوله: {أو اوى إلى ركن شديد} المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيها له بالركن الشديد من الجبل

فإن قيل: ما الوجه ههنا في عطف الفعل على الاسم؟

قلنا: قال صاحب "الكشاف": قرىء {أو اوى} بالنصب بإضمار أن، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آويا.

واعلم أن قوله: {لو أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد} لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة، وفيه وجوه:

الأول: المراد بقوله: {لو أن لى بكم قوة} كونه بنفسه قادرا على الدفع وكونه متمكنا

أما بنفسه

وأما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم، والمراد بقوله: {أو اوى إلى ركن شديد} هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته.

الثالث: أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية اللّه تعالى، وعلى هذا التقدير فقوله: {أو اوى إلى ركن شديد} كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم، ولذلك قال النبي عليه السلام: "رحم اللّه أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد".

﴿ ٨٠