١٠٨

{وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت}.

قلنا: إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج الفساق من أهل الصلاة من النار.

قلنا: أما حمل كلمة "إلا" على سوى فهو عدول عن الظاهر،

وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضا، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات الحصول في النار، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار، وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء.

وأما قوله الاستثناء عائد إلى الزفير والشهيق فهذا أيضا ترك للظاهر، فلم يبق للآية محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه،

وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من النار إلى الزمهرير.

فنقول: لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض.

والأخبار الصحيحة دلت على أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه،

وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.

أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال: {إن ربك فعال لما يريد} وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من النار، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد وليس لأحد علي حكم ألبتة.

ثم قال: {وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت * السماوات والارض * إلا ما شاء ربك} وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {سعدوا} بضم السين والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال.

المسألة الثانية: الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى.

قال اللّه تعالى: {وعد اللّه المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من اللّه} (التوبة: ٧٢)

وقوله: {عطاء غير مجذوذ} فيه مسألتان:

المسألة الأولى: جذه يجذه جذا إذا قطعه وجذ اللّه دابرهم، فقوله: {غير مجذوذ} أي غير مقطوع، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة {لا مقطوعة ولا ممنوعة} (الواقعة: ٣٣).

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو الانقطاع، فهذا تمام الكلام في هذه الآية.

﴿ ١٠٨