١١٩

{إلا من رحم ربك} فيجب حمل هذا الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه قوله: {إلا من رحم ربك} وذلك ليس إلا ما قلنا.

ثم قال تعالى: {إلا من رحم ربك} احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق اللّه تعالى، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه اللّه برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة.

قال القاضي معناه: إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب، فيرحمه اللّه بالثواب، ويحتمل إلا من رحمة اللّه بألطافه، فصار مؤمنا بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف.

أما الأول: فلأن قوله: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك} يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى المسبب له، ومجرى المعلول، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد.

وأما الثاني: وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف، وأيضا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يك لطفا فيه، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في "الكتب العقلية" أنه متى حصل الرجحان فقد وجب، وحينئذ يكون حصول الإيمان من اللّه، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق اللّه، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهل، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك، وإنما يصح حصول هذا العلم، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق اللّه تعالى وهو المطلوب.

ثم قال تعالى: {ولذالك خلقهم} وفيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: وللرحمة خلقهم، وهذا اختيار جمهور المعتزلة.

قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، ويدل عليه وجوه:

الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما، وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة، والاختلاف أبعدهما.

والثاني: أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف.

الثالث: إذا فسرنا الآية بهذا المعنى، كان مطابقا لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: ٥٦).

فإن قيل: لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال: ولتلك خلقهم ولم يقل: ولذلك خلقهم.

قلنا: إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا، فكان محمولا على الفضل والغفران كقوله: {هذا رحمة من ربى} (الكهف: ٩٨) وقوله: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} (الأعراف: ٥٦).

والقول الثاني: أن المراد وللاختلاف خلقهم.

والقول الثالث: وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف.

روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: خلق اللّه أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وأهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه:

الأول: الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق اللّه تعالى.

الثاني: أن يقال: إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك، وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال.

الثالث: أنه تعالى قال بعده: {وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للّهداية والجنة، وأقواما آخرين للضلالة والنار، وذلك يقوي هذا التأويل.

﴿ ١١٩