٣٧

{قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذالكما مما علمنى ربى ...}.

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوها:

الأول: أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة.

الثاني: لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه، وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقا على كل الناس في علم التعبير كان أولى، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير كونه فائقا في علم التعبير واصلا فيه إلى ما لم يصل غيره،

والثالث: قال السدي: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره، ولذلك قال: {إلا نبأتكما بتأويله}

الرابع: لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله: فأورد عليهما ما دل على كونه رسولا من عند اللّه تعالى، فإن الاشتغال بإصلاح مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا،

والخامس: لعله عليه السلام لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر، ولا يستوجب العقاب الشديد {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة} (الأنفال: ٤٢)

والسادس: قوله: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} محمول على اليقظة، والمعنى: أنه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو، وأي لون هو، وكم هو، وكيف يكون عاقبته؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم، وفيه وجه آخر، قيل: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما فأرسله إليه، فقال يوسف لا يأتيكما طعام ألا أخبرتكما أن فيه سما أم لا، هذا هو المراد من قوله: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب، وهو يجري مجرى قوله عيسى عليه السلام، {أنبئكم * بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم} (آل عمران: ٤٩) فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقا في علم التعبير، والوجوه الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبيا صادقا من عند اللّه تعالى.

فإن قيل: كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة؟

قلنا: إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال: إنه كان قد ذكره، وأيضا ففي قوله: {ذالكما مما علمنى ربى} وفي قوله: {واتبعت ملة ءاباءي} ما يدل على ذلك.

ثم قال تعالى: {ذالكما مما علمنى ربى} أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم، وإنما أخبرتكما بوحي من اللّه وعلم حصل بتعليم اللّه.

ثم قال: {إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه وهم بالاخرة هم كافرون}

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: في قوله: {إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه} توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة.

فنقول جوابه من وجوه:

الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه.

والثاني: وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية، ثم إنه أظهره في هذا الوقت، فكان هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر.

المسألة الثانية: تكرير لفظ {هم} في قوله: {وهم بالاخرة هم كافرون} لبيان اختصاصهم بالكفر، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد.

واعلم أن قوله: {إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه} إشارة إلى علم المبدأ.

وقوله: {وهم بالاخرة هم كافرون} إشارة إلى علم المعاد، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد، وإن ما وراء ذلك عبث.

﴿ ٣٧