٨٦

ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال: {قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى اللّه} يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة اللّه تعالى، والإنسان إذا بث شكواه إلى اللّه تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك" واللّه هو الموفق، والبث هو التفريق قال اللّه تعالى: {وبث فيها من كل دابة} (البقرة: ١٦٤) فالحزن إذا ستره الإنسان كان هما وإذا ذكره لغيره كان بثا وقالوا: البث أشد الحزن والحزن أشد الهم، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستوليا عليه

وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثا وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزا عنه وهو قد استولى على الإنسان، فقوله: {بثى وحزنى إلى اللّه} أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع اللّه، وقرأ الحسن: {وحزنى} بفتحتين وحزني بضمتين، قيل: دخل على يعقوب رجل وقال: يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سنا عاليا فقال الذي بي لكثرة غمومي، فأوحى اللّه إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له وكان بعد ذلك إذا سئل قال: {إنما أشكو بثى وحزنى إلى اللّه} وروي أنه أوحى اللّه إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء والمساكين فاصنع طعاما وادع إليه المساكين،

 وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

ثم قال يعقوب عليه السلام: {وأعلم من اللّه ما لا تعلمون} أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه.

وذكروا لسبب هذا التوقع أمورا:

 أحدها: أن ملك الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي اللّه ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه ههنا،

وثانيها: أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء،

وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق،

ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال: يبعد أن يظهر في الكفار مثله،

وخامسها: علم قطعا أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول.

والمقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله:

﴿ ٨٦