٢٥والصفة الرابعة: قوله: {تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها} والمراد: أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة، وهي أن ثمرتها لا بد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضرا في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها اللّه تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها. إذا عرفت هذا فنقول: معرفة اللّه تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع. أما الصفة الأولى: وهي كونها طيبة فهي حاصلة، بل نقول: لا طيب ولا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وههنا الملائم لجوهر النفس النطقية والروح القدسية، ليس إلا معرفة اللّه تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جدا، بل نقول: اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالا من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة اللّه وبيان هذا التفاوت من وجوه: الوجه الأول: أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما ههنا فمعرفة اللّه تعالى وذلك النور وذلك الإشراق صار ساريا في جوهرالنفس متحدا به وكأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين. والوجه الثاني: في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة، والمحسوس هو الطعم المخصوص وههنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله، وصفات جلاله وإكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر. الوجه الثالث: في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير، أما كمال الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضا ممتنع التغير، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه. واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيها للعقل السليم على سائرها. وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل، فهذه الصفة في شجرة معرفة اللّه تعالى أقوى وأكمل، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضا مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال اللّه تعالى، وهذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور، وذلك مما يمتنع عقلا زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة. الصفة الثالثة: لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء. واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني. وأما النوع الأول: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: "التعظيم لأمر اللّه" ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة اللّه تعالى في عالم الأرواح، وفي عالم الأجسام، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب، وفي أحوال العالم السفلي، ويدخل فيه محبة اللّه تعالى والشوق إلى اللّه تعالى والمواظبة على ذكر اللّه تعالى والاعتماد بالكلية على اللّه تعالى، والانقطاع بالكلية عما سوى اللّه تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية. وأما النوع الثاني: فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام: "والشفقة على خلق اللّه" ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب، والسعي في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ومقابلة الإساءة بالإحسان. وهذه الأقسام أيضا غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة اللّه تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلا في معرفة اللّه تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل. وأما الصفة الرابعة: فهي قوله تعالى: {تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها} فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظر بالعبرة كما قال: {فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار} (الحشر: ٢) وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر: ١٨) ونطقه بالصدق والصواب كما قال: {كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم} (النساء: ١٣٥) وقال عليه السلام: "قولوا الحق ولو على أنفسكم" وهذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئا لاحظ الحق فيه، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئا إلا وقد كان قد رأى اللّه تعالى قبله. فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها} وأيضا فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل، كثمرة هذه الشجرة. وأما قوله: {بإذن ربها} ففيه دقيقة عجيبة، وذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية، والدرجات العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي، وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال، ولذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره اللّه تعالى في هذا الكتاب مثال هاد إلى عالم القدس، وحضرة الجلال، وسرادقات الكبرياء، فنسأل اللّه تعالى مزيد إلهتداء والرحمة إنه سميع مجيب، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاما لا بأس به، فقال: إنما مثل اللّه سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وأغصان عالية. كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. واللّه أعلم. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: {كلمة طيبة} وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر والتقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله: {ضرب اللّه مثلا}. الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلا. وكلمة بضرب، أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى جعلها مثلا، وقوله: {كشجرة طيبة} خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هي كشجرة طيبة. الثالث: قال صاحب "حل العقد" أظن أن الأوجه أن يجعل قوله: {كلمة} عطف بيان، والكاف في قوله: {كشجرة} في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة. المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا اللّه، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين. وقال صاحب "الكشاف": إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان، وأراد بشجرة طيبة الثمرة، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت، وفرعها أي أعلاها في السماء، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء {تؤتى} أي هذه الشجرة {أكلها} أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين، فقال: الحين ستة أشهر، وتلا قوله تعالى: {تؤتى أكلها كل حين} وقال مجاهد وابن زيد: سنة، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة. وقال سعيد بن المسيب: شهران، لأن مدة إطعام النخلة شهران. وقال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت، والمراد من قوله: {تؤتى أكلها كل حين} أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا. قالوا: والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة. وأقول: هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب، واللّه أعلم بالأمور. ثم قال: {ويضرب اللّه الامثال للناس لعلهم يتذكرون} والمعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب. |
﴿ ٢٥ ﴾