٧٠{ولقد كرمنا بنى ءادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم اللّه تعالى على الإنسان وهي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره وقد ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أربعة أنواع: النوع الأول: قوله: {ولقد كرمنا بنى ءادم} واعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس، والبدن، فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي. وتقرير هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث. وهي الأغتذاء والنمو والتوليد، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة، والحركة بالاختيار، فهذه القوى الخمسة أعني الاغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة للنفس الإنسانية، ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي. وهي التي يتجلى فيها نور معرفة اللّه تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات اللّه من الأرواح والأجسام كما هي وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح المجردة الإلهية، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى النباتية والحيوانية، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ونقصانات القوى الجسمية، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله تعالى: {اللّه نور * السماوات والارض} (النور: ٣٥) فإنا ذكرنا هناك عشرين وجها في بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة في الإعادة، وأما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم، فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى: {ولقد كرمنا بنى ءادم} هذا النوع من الفضائل وذكروا أشياء، أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله: {ولقد كرمنا بنى ءادم} قال: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه. وقيل: إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في التفسير عن جدك في قوله تعالى: {ولقد كرمنا بنى ءادم} جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. وثانيها: قال الضحاك: بالنطق الفرد الماجد لا يقضي في أمر دونه. وأما النوع الثاني: وهو الإشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوها: الأول: الصمد هو الغني على ما قال: {وهو الغنى الحميد} الثاني: الصمد الذي ليس فوقه أحد لقوله: {وهو القاهر فوق عباده} ولا يخاف من فوقه، ولا يرجو من دونه ترفع الحوائج إليه الثالث: قال قتادة: لا يأكل ولا يشرب: {وهو يطعم ولا يطعم} الرابع: قال قتادة: الباقي بعد فناء خلقه: {كل من عليها فان} الخامس: قال الحسن البصري: الذي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه الزوال كان ولا مكان، ولا أين ولا أواه، ولا عرش ولا كرسي، ولا جني ولا إنسي وهو الآن كما كان السادس: قال يمان وأبو مالك: الذي لا ينام ولا يسهو الثامن: قال ابن كيسان: هو الذي لا يوصف بصفة أحد التاسع: قال مقاتل بن حبان: هو الذي لا عيب فيه العاشر: قال الربيع بن أنس: هو الذي لا تغتريه الآفات الحادي عشر: قال سعيد بن جبير: إنه الكامل في جميع صفاته، وفي جميع أفعاله الثاني عشر: قال جعفر الصادق: إنه الذي يغلب ولا يغلب الثالث عشر: قال أبو هريرة: إنه المستغنى عن كل أحد الرابع عشر: قال أبو بكر الوراق: إنه الذي أيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته الخامس عشر: هو الذي لا تدركه الأبصار السادس عشر: قال أبو العالية ومحمد القرظي: هو الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا وسيموت السابع عشر: قال ابن عباس: إنه الكبير الذي ليس فوقه أحد الثامن عشر: أنه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات، وعن أن يكون موردا للتغيرات والتبدلات، وعن إحاطة الأزمنة والأمكنة والآنات والجهات. وأما الوجه الثالث: وهو أن يحمل لفظ الصمد على الكل وهو محتمل، لأنه بحسب دلالته على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، وبحسب دلالته على كونه مبدأ للكل يدل على جميع النعوت الإلهية. المسألة الثانية: قوله: {اللّه الصمد} يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى اللّه، الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر، وليكن هذا المثال الواحد أنموذجا لك في هذا الباب. وخامسها: قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه اللّه الخط. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلا. أما إذا استنبط الإنسان علما وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتبة، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى: {اقرأ وربك الاكرم * الذى علمكم * بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم}. وسادسها: أن أجسام هذا العالم أما بسائط مركبات، أما البسائط فهي الأرض والماء والهواء والنار. والإنسان ينتفع بكل هذه الأربع، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة. قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} (طه: ٥٥) وقد سماها اللّه تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهي الفراش والمهد، والمهاد، وأما الماء فانتفاعنا به في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر، وأيضا سخر البحر لنأكل منه لحما طريا، ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر فيه، وأما الهواء فهو مادة حياتنا، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة ونضجها، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة، وهي الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر: ( ومن يرد في الشتاء فاكهة فإن نار الشتاء فاكهته ) وأما المركبات فهي أما الآثار العلوية، وأما المعادن والنبات، وأما الحيوان والإنسان كالمستولي على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ومصالحها مضروفة إلى الإنسان فيه كالرئيس المخدوم، والملك المطاع وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند اللّه بمزيد التكريم والتفضيل واللّه أعلم. وسابعها: أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الإنسان، ولا شك أن الإنسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية المحضة، وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن السبعية، ولا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات، وإذا ثبت ذلك ظهر أن اللّه تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات. بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر؟ والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين؟ وذلك بحث آخر. وثامنها: الموجود أما أن يكون أزليا وأبديا معا وهو اللّه سبحانه وتعالى، وأما أن يكون ولا أزليا لا أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان، وهذا أخس الأقسام، وأما أن يكون أزليا لا أبديا وهو الممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا، وهو الإنسان والملك، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات اللّه تعالى. وتاسعها: العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس في موجودات العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي. وعاشرها: أشرف الموجودات هو اللّه تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من اللّه تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من اللّه هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة اللّه تعالى ولسانه مشرف بذكر اللّه وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة اللّه تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان اللّه تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى: {ولقد كرمنا بنى ءادم} ومن تمام كرامته على اللّه تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال: {اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذى علمكم * بالقلم} (العلق: ١ ـ ٤) ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: {ولقد كرمنا بنى ءادم} ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال: {وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} (الإنفطار: ٦) وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم اللّه تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان واللّه أعلم. والوجه الحادي عشر: قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون. ومن كان مخلوقا بيد اللّه كانت العناية به أتم وأكمل، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل واللّه أعلم. النوع الثاني: من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله: {وحملناهم فى البر والبحر} قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفن، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه، وكذلك تسخير اللّه تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له. النوع الثالث: من المدائح قوله: {ورزقناهم من الطيبات} وذلك لأن الأغذية أما حيوانية وأما نباتية، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان. النوع الرابع: قوله: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} وههنا بحثان: البحث الأول: أنه قال في أول الآية: {ولقد كرمنا بنى ءادم} وقال في آخرها: {وفضلناهم} ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل. البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل: وفضلناهم على الكل بل قال: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات اللّه تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلا عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة. فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: البحث الأول: أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم} (البقرة: ٣٤). والبحث الثاني: أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل؟ منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة. واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة، فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له {كن} فكان. وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه: المؤمن أكرم على اللّه من الملائكة الذين عنده. هكذا أورده الواحدي في "البسيط"، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية، وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال: إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد، وذلك تمسك بدليل الخطاب واللّه أعلم. |
﴿ ٧٠ ﴾