٨٣

{وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه}

وفيه مباحث:

الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلا عن عبودية اللّه تعالى متمردا عن طاعة اللّه كما قال: {إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى} (العلق: ٦٧).

البحث الثاني: قوله أعرض أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله نأى قراءات.

إحداها: وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأي أي بعد.

وثانيها: قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض.

وثالثها: قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعا للكسرة مثل رأى.

ورابعها: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة.

ثم قال تعالى: {وإذا مسه الشر كان} أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من رحمة اللّه: {ولا * يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا} (يوسف: ٨٧) والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر اللّه، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر اللّه تعالى فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر اللّه ونظيره قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن} (الفجر: ١٥)

إلى قوله: {ربى أهانن} (الفجر: ١٦)

وكذلك قوله: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا} (المعارج: ١٩ ـ ٢٠ ـ ٢١)

﴿ ٨٣