٢٩

ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال: {وقل رب أنزلنى منزلا مباركا} وقرىء {منزلا} بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلا يرضونه.

واختلفوا في المنزل على قولين:

أحدهما: أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك

والثاني: أن المراد أن ينزله اللّه بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلا مباركا والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره.

ثم بين سبحانه بقوله: {وأنت خير المنزلين} أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير اللّه كما يقع من اللّه تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة،

ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبرا في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر.

﴿ ٢٩