٢٢

{ولما توجه تلقآء مدين قال عسى ربى  أن يهدينى سوآء السبيل}.

اعلم أن الناس اختلفوا في قوله: {ولما توجه تلقاء مدين} فال بعضهم إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى اللّه تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله اللّه تعالى إلى مدين، وهذا قول ابن عباس، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل اللّه تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين:

أحدهما: قوله: {ولما توجه تلقاء مدين} ولو كان قاصدا للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى مدين فلما لم يقل ذلك بل قال: {توجه تلقاء مدين} علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي

والثاني: قوله: {عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل} وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالما بالطريق.

ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

أما قوله: {عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل} فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام: {إنى ذاهب إلى ربى سيهدين} (الصافات: ٩٩) وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات اللّه عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين

﴿ ٢٢