٣٢

وقوله: {اسلك يدك فى جيبك} على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب،

فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه، وذلك قوله: {واضمم إليك جناحك}

وقوله: {واضمم يدك إلى جناحك} (طه: ٢٢) فما التوفيق بينهما؟

قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب "الكشاف" وهو في نهاية الحسن.

أما قوله تعالى: {فذانك} قرىء مخففا ومشددا، فالمخفف مثنى (ذا)، والمشدد مثنى (ذان)، قوله: {برهانان من ربك} حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال: {إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} (القصص: ٣٣) قال القاضي: وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم، إذا المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف، لأنه ثبت أنه لا بد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي،

 وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم، فلعل هناك أنواعا من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد.

﴿ ٣٢