٥٤

ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}

وذكروا فيه وجوها:

أحدها: أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضا أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك

وثانيها: يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم

وثالثها: قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه، قال السدي اليهود عابوا عبد اللّه بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال: {ويدرءون بالحسنة السيئة} والمعنى (يدفعون) بالطاعة المعصية المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها، ثم قال: {ومما رزقناهم ينفقون}.

واعلم أنه تعالى مدحهم أولا بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} ثم بالطاعات المالية في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقا

جوابه: أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقا، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله،

﴿ ٥٤