٥٦{إنك لا تهدى من أحببت ولاكن اللّه يهدى من يشآء وهو أعلم بالمهتدين}. إعلم أن في قوله تعالى: {إنك لا تهدى من أحببت ولاكن اللّه يهدى من يشاء} مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال عليه السلام "يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسكا قال فما تريد يا ابن أخي؟ قال أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا اللّه، أشهد لك بها عند اللّه تعالى، قال يا أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف". المسألة الثانية:أنه تعالى قال في هذه الآية: {إنك لا تهدى من أحببت} وقال في آية أخرى: {وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم} (الشورى: ٥٢) ولا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه هداية التوفيق، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} (الأنعام: ١٢٢) الآية. المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله {إنك لا تهدى من أحببت ولاكن اللّه يهدى من يشاء} يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله: {إنك لا تهدى} شيئا وفي قوله: {ولاكن اللّه يهدى من يشاء} شيئا آخر لاختل النظم، ثم أما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى اللّه عمومها، وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على اللّه تعالى والواجب لا يكون معلقا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من اللّه تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من اللّه تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها، ولا يسأل عما يفعل، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرا عن ذلك. أما قوله: {وهو أعلم بالمهتدين} فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية اللّه تعالى، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} (القصص: ٥٧) |
﴿ ٥٦ ﴾