٥٧وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ قال المبرد: الخطف، الانتزاع بسرعة، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا، فأجاب اللّه سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول: قوله: {أو لم * نمكن لهم حرما ءامنا} أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه، أما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر، أو لقوله تعالى: {ومن دخله كان ءامنا} (آل عمران: ٩٧) وأما قوله: {يجبى إليه ثمرات كل شىء} فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه، ومعنى: {يجبى} يجمع من قولهم: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء، وأهل الكوفة، وأبو عمرو بالياء، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى، ومعنى الكلية الكثرة كقوله: {وأوتيت من كل شىء} (النمل: ٢٣) وحاصل الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة اللّه تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى، قال القاضي: ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن عذرا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضا، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة، أن ذلك لا يجري إن آمنوا، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه اللّه تعالى، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين. بقي ههنا بحثان: الأول: قال صاحب "الكشاف" في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء، ويرزق ثمرات كل شيء واحد، وأن يكون مفعولا له، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة. الثاني: احتج الأصحاب بقوله: {رزقا من لدنا} في أن فعل العبد خلق اللّه تعالى، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا للّه تعالى لما صحت تلك الإضافة، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية. واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من اللّه تعالى، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى اللّه تعالى ولا يرجون أحدا غير اللّه تعالى، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير اللّه تعالى والإقبال بالكلية على طاعة اللّه تعالى. |
﴿ ٥٧ ﴾