٥٨{وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ...}. اعلم أن هذا هو الجواب الثاني: عن تلك الشبهة، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله اللّه تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل أزال اللّه عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا، فاللّه تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان، قال صاحب "الكشاف": البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق اللّه تعالى فيه وانتصبت معيشتها أما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله: {واختار موسى قومه} (الأعراف: ١٥٥) أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها، وأما تضمين بطرت معنى كفرت. فأما قوله: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة. وثانيها: يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث اللّه لأنه الباقي بعد فناء خلقه، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها، فكأن سائلا أورد السؤال من وجهين الأول: لماذا ما أهلك اللّه الكفار قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد؟ الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر باللّه تعالى والتكذيب بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ |
﴿ ٥٨ ﴾