١٧{فسبحان اللّه حين تمسون وحين تصبحون}. لما بين اللّه تعالى عظمته في الابتداء بقوله: {ما خلق اللّه * السماوات والارض *وما بينهما إلا بالحق} (الروم: ٨) وعظمته في الانتهاء، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال: {فسبحان اللّه} أي سبحوا اللّه تسبيحا، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في معنى سبحان اللّه ولفظه، أما لفظه ففعلان اسم للمصدر الذي هو التسبيح، سمي التسبيح بسبحان وجعل علما له. وأما المعنى فقال بعض المفسرين: المراد منه الصلاة، أي صلوا، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس، وقال بعضهم أراد به التنزيه، أي نزهوه عن صفات النقص وصفوه بصفات الكمال، وهذا أقوى والمصير إليه أولى، لأنه يتضمن الأول وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعا وهو العمل الصالح، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان، وهو تنزيه في التحقيق، فإذا قال نزهوني، وهذا نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون أيضا هذا أمرا بالصلاة، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم، وذلك لأن اللّه تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال: {فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون} (الروم: ١٥) قال: إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان والكل تنزيهات وتحميدات، فسبحان اللّه أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى الحبور في الرياض، والحضور على الحياض. المسألة الثانية: خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح وذلك لأن أفضل الأعمال أدومها، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (الأنبياء: ٢٠) والإنسان ما دام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح، لكونه محتاجا إلى أكل وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فأشار اللّه تعالى إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح اللّه فيها يكون كأنه لم يفتر وهي الأول والآخر والوسط أول النهار وآخره ووسطه فأمر بالتسبيح في أول الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح في آخر الليل لأن النوم فيه غالب واللّه من على عباده بالاستراحة بالنوم، كما قال: {ومن ءاياته منامكم باليل} (الروم: ٢٣) فإذا صلى في أول النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح، ثم إذا صلى أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات، وإذا صلى أربعا في أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات، فإذا صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيح وبقي من الليل والنهار سبع ساعات وهي ما بين نصف الليل وثلثيه لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع وهذا القدر لو نام الإنسان فيه لكان كثيرا وإليه أشار تعالى بقوله: {قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه} (المزمل: ٢ ـ ٤) وزيادة القليل على النصف هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم، فيقول اللّه عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية التي ادعيتم بقولكم: {نحن * نسبح بحمدك ونقدس لك} (البقرة: ٣٠) على سبيل الانحصار بل هم مثلكم فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين، واعلم أن في وضع الصلاة في أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة بالغة، أما في عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان في سبع عشرة ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة، وأما على مذهب أبي حنيفة حيث قال بوجوب الوتر ثلاث ركعات وهو أقرب للتقوى، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغي أن يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذا من قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه} ويفهم من هذا أن قيام ثلثي الليل مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} (المزمل: ٢٠) ذكر بلفظ التوبة، وإذا كان كذلك يكون الإنسان يقظان في عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة، وأما النبي عليه السلام فلما كان من شأنه أن لا ينام أصلا كما قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" جعل له كل الليل كالنهار فزيد له التهجد فأمر به، وإلى هذا أشار تعالى في قوله: {ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} (الإنسان: ٢٦) أي كل الليل لك للتسبيح فصار هو في أربع وعشرين ساعة مسبحا، فصار من الذين لا يفترون طرفة عين، وأما في أوقاته فما تقدم أيضا أن الأول والآخر والوسط هو المعتبر فشرع التسبيح في أول النهار وآخره، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه كما اعتبر أول النهار ووسطه، وذلك لأن الظهر وقته نصف النهار والعشاء وقته نصف الليل لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذي يكون الإنسان فيه يقظان وهو مقدار خمس ساعات فجعل وقته في نصف هذا القدر وهو الثلاثة من الليل، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخر وقت العشاء الآخرة إلى الرابعة والخامسة، ليكون في وسط الليل المعتبر، كما أن الظهر في وسط النهار، وأما النبي صلى اللّه عليه وسلم لما كان ليله نهارا ونومه انتباها قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل" ليكون الأربع في نصف الليل كما أن الأربع في نصف النهار، وأما التفصيل فالذي يتبين لي أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح، ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل، لأن المؤدى في النهار عشرة والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس. المسألة الثانية: في فضيلة السبحلة والحمدلة في المساء والصباح، ولنذكرها من حيث النقل والعقل، أما النقل فأخبرني الشيخ الورع الحافظ الأستاذ عبد الرحمن بن عبد اللّه بن علوان بحلب مسندا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه: "أتعجز عن أن تأتي وقت النوم بألف حسنة؟ فتوقف فقال النبي عليه السلام: قل سبحان اللّه والحمد للّه واللّه أكبر مائة مرة يكتب لك بها ألف حسنة" وسمعته يقول رحمه اللّه مسندا "من قال خلف كل صلاة مكتوبة عشر مرات سبحان اللّه وعشر مرات اللّه أكبر أدخل الجنة" وأما العقل فهو أن اللّه تعالى له صفات لازمة لا من فعله وصفات ثابتة له من فعله أما الأولى فهي صفات كمال وجلال خلافها نقص، فإذا أدرك المكلف اللّه بأنه لا يجوز أن يخفي عليه شيء لكونه عالما بكل شيء فقد نزهه عن الجهل ووصفه بضده، وإذا عرفه بأنه لا يعجز عن شيء لكونه قادرا على كل شيء فقد نزهه عن العجز، وإذا علم أنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء لكونه مريدا لكل كائن فقد وصفه ونزهه، وإذا ظهر له أنه لا يجوز عليه الفناء لكونه واجب البقاء فقد نزهه، وإذا بان له أنه لا يسبقه العدم لاتصافه بالقدم فقد نزهه، وإذا لاح له أنه لا يجوز أن يكون عرضا أو جسما أو في مكان لكونه واجبا بريئا عن جهات الإمكان فقد نزهه. لكن صفاته السلبية والإضافية لا يعدها عاد ولو اشتغل بها واحد لأفنى فيها عمره ولا يدرك كنهها. فإذا قال قائل مستحضرا بقلبه سبحان اللّه متنبها لما يقوله من كونه منزها له عن كل نقص فإتيانه بالتسبيح على هذا الوجه من الإجمال يقوم مقام إتيانه به على سبيل التفصيل، لكن لا ريب في أن من أتى بالتسبيح عن كل واحد على حدة مما لا يجوز على اللّه يكون قد أتى بما لا تفي به الأعمار، فيقول هذا العبد أتى بتسبيحي طول عمره ومدة بقائه فأجازيه بأن أطهره عن كل ذنب وأزينه بخلع الكرامة وأنزله بدار المقامة مدة لا انتهاء لها، وكما أن العبد ينزه اللّه في أول النهار وآخره ووسطه، فإن اللّه تعالى يطهره في أوله وهو دنياه وفي آخره وهو عقباه وفي وسطه وهو حالة كونه في قبره الذي يحويه إلى أوان حشره وهو مغناه. وأما الثانية وهو صفات الفعل فالإنسان إذا نظر إلى خلق اللّه السموات يعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد للّه، فإذا رأى الشمس فيها بازغة فيعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد للّه، وكذلك القمر وكل كوكب والأرض وكل نبات وكل حيوان يقول الحمد للّه، لكن الإنسان لو حمد اللّه على كل شيء على حدة لا يفي عمره به، فإذا استحضر في ذهنه النعم التي لا تعد كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها} (إبراهيم: ٣٤) ويقول الحمد للّه على ذلك فهذا الحمد على وجه الإجمال يقوم منه مقام الحمد على سبيل التفصيل، ويقول عبدي استغرق عمره في حمدي وأنا وعدت الشاكر بالزيادة فله علي حسنة التسبيح الحسنى وله على حمده الزيادة ثم إن الإنسان إذا استغرق في صفات اللّه قد يدعوه عقله إلى التفكر في اللّه تعالى بعد التفكر في آلاء اللّه، فكل ما يقع في عقله من حقيقته فينبغي أن يقول اللّه أكبر مما أدركه، لأن المدركات وجهات الإدراكات لا نهاية لها، فإن أراد أن يقول على سبيل التفصيل اللّه أكبر من هذا الذي أدركته من هذا الوجه وأكبر مما أدركته من ذلك الوجه وأكبر مما أدركته من وجه آخر يفني عمره ولا يفي بإدراك جميع الوجوه التي يظن الظان أنه مدرك للّه بذلك الوجه، فإذا قال مع نفسه اللّه أكبر أي من كل ما أتصوره بقوة عقلي وطاقة إدراكي يكون متوغلا في العرفان وإليه الإشارة بقوله: العجز عن درك الإدراك إدراك فقول القائل المستيقظ: "سبحان اللّه والحمد للّه واللّه أكبر" مفيد لهذه الفوائد، لكن شرطه أن يكون كلاما معتبرا وهو الذي يكون من صميم القلب لا الذي يكون من طرف اللسان. المسألة الرابعة: قوله: {وعشيا} عطف على {حين} أي سبحوه حين تمسون وحين تصبحون وعشيا، |
﴿ ١٧ ﴾