٢٩ثم قال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب اللّه}. لما بين العلماء باللّه وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتابا اللّه العاملين بما فيه. وقوله: {يتلون كتاب اللّه} إشارة إلى الذكر. وقوله تعالى: {والذين يمسكون} إشارة إلى العمل البدني. وقوله: {وأنفقوا مما رزقناهم} إشارة إلى العمل المالي، وفي الآيتين حكمة بالغة، فقوله: إنما يغشى اللّه إشارة إلى عمل القلب، وقوله: {إن الذين يتلون} إشارة إلى عمل اللسان. وقوله: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم اللّه والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكا إذا رأى عبدا من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم، وإلى هذا أشار بقوله: عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول اللّه مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق اللّه لا تعظيم لجانب اللّه. وقوله تعالى: {سرا وعلانية} حث على الإنفاق كيفما يتهيأ، فإن تهيأ سرا فذاك ونعم وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بقوله: {سرا} أي صدقة {وعلانية} أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. وقوله تعالى: {يرجون تجارة لن تبور} إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه اللّه، فإن غير اللّه بائر والتاجر فيه تجارته بائرة. |
﴿ ٢٩ ﴾