٣٧

قال تعالى: {وهم يصطرخون فيها} أي لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا لا يخفف اللّه من عنده إنعاما إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ من الصراخ والصراخ صوت المعذب.

وقوله تعالى: {ربنا أخرجنا} أي صراخهم بهذا أي يقولون: {ربنا أخرجنا} لأن صراخهم كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب، وذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه: لا أرجع إلى ما فعلت وبئسما فعلت يتركه،

وأما المعذب فلا وترتيبه حسن وذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف عنهم بالكلية ولا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعدا وهذا لأن المحبوس يصير لعله يخرج من غير سؤال فإذا طال لبثه تطلب الإخراج من غير قطيعة على نفسه فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة ويقول أخرجني أفعل كذا وكذا.

واعلم أن اللّه تعالى قد بين أن من يكون في الدنيا ضالا فهو في الآخرة ضال كما قال تعالى: {ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى} ثم إنهم لم يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار.

وعلى هذا قالوا: {نعمل صالحا} جازمين من غير استعانة باللّه ولا مثنوية فهي، ولم يقولوا إن الأمر بيد اللّه، فقال اللّه لهم إذا كان اعتمادكم على أنفسكم فقد عمرناكم مقدارا يمكن التذكر فيه والإتيان بالإيمان والإقبال على الأعمال.

وقولهم: {غير الذى كنا نعمل} إشارة إلى ظهور فساد عملهم ولهم وكأن اللّه تعالى كما لم يهدهم في الدنيا لم يهدهم في الآخرة، فما قالوا ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعلمهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى فضلك ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظرا إلى عدلك وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة، وكما هدى اللّه المؤمن في الدنيا هداه في العقبى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الحمد للّه وقالوا ربنا غفور اعترافا بتقصيرهم شكور إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وقالوا: {أحلنا دار المقامة من فضله} أي لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم اللّه وهم قالوا: {أخرجنا نعمل صالحا}

إغماضا في حق تعظيمه وإعراضا عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته، ثم إنه تعالى بن أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل في المحل، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادات.

فقال تعالى: {أو لم * نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير}.

فإن المانع

أما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل اللّه،

وأما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم.

ثم قال تعالى: {فذوقوا فما للظالمين من نصير}

وقوله: {فذوقوا} إشارة إلى الدوام وهو أمر إهانة، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ينصرهم، قال بعض الحكماء قوله: {فما للظالمين من نصير}

وقوله: {وما للظالمين من أنصار} يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلا مركبا وهو الذي يعتقد الباطل حقا في الدنيا {وما له منهم * نصير} أي من علم ينفعه في الآخرة، والذي يدل عليه هو أن اللّه تعالى سمي البرهان سلطانا، كما قال تعالى: {فاتوا * بسلطان} والسلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم، لأن اللّه لا ينصره وليس غيره نصيرا فما لهم من نصير أصلا، ويمكن أن يقال إن اللّه تعالى قال في آل عمران {وما للظالمين من أنصار} وقال: {فمن يهدى من أضل اللّه وما لهم من ناصرين}

وقال ههنا: {فما للظالمين من * نصر} أي هذا وقت كونهم واقعين في النار، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة ولم يبق إلا توقعهم من اللّه فقال: {ما لكم من * نصير} أصلا، وهناك كان الأمر محكيا في الدنيا أو في أوائل الحشر، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة وهم آلهتهم.

﴿ ٣٧