٥٤

وأيضا إنه تعالى قال عقيب هذه الآية {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} إلى قوله {بغتة وأنتم لا تشعرون}

ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعا لما أمر عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، وأيضا قال: {أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب اللّه} ولو كانت الذنوب كلها مغفورة، فأي حاجة به إلى أن يقول: {ياحسرتى على ما فرطت فى جنب اللّه}؟ وأيضا فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها، وذلك لا يليق بحكمة اللّه، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللّه، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، فمعنى قوله {إن اللّه يغفر الذنوب جميعا} أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به

قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع، وهي للاستقبال، وعندنا أن اللّه تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا،

أما قبل الدخول في نار جهنم،

وأما بعد الدخول فيها، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا.

أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة،

فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية، بل نقول لعله يعفو مطلقا، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة واللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه:

الأول: أنه سمى

المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج.

الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: {قل ياعبادى الذين أسرفوا} وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب

الثالث: أنه تعالى قال: {أسرفوا على أنفسهم} ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ماعاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم

الرابع: أنه قال: {لا تقنطوا من رحمة اللّه} نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمرا بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم

الخامس: أنه تعالى قال أولا: {فى عبادى} وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال: {لا تقنطوا من رحمة اللّه} لأن قولنا اللّه أعظم أسماء اللّه وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل

السادس: أنه لما قال: {لا تقنطوا من رحمة اللّه} كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعا ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم اللّه وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن

السابع: أنه لو قال: {يغفر الذنوب} لكان المقصود حاصلا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعا وهذا أيضا من المؤكدات الثامن: أنه وصف نفسه بكونه غفورا، ولفظ الغفور يفيد المبالغة

التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيما والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله {إنه هو الغفور} إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله {الرحيم} إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب

العاشر: أن قوله {إنه هو الغفور الرحيم} يفيد الحصر، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل اللّه تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوها، قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟

وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته، فلما نزلت الآية أسلم، فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال بل للمسلمين عامة

وقيل نزلت في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل اللّه توبتهم،

وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل اللّه منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمروبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها.

المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم {فى عبادى} بفتح الياء والباقون

وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء، وقرأ: أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان، قال صاحب "الكشاف"، وفي قراءة ابن عباس، وابن مسعود {يغفر الذنوب جميعا * لمن يشاء}.

ثم قال تعالى: "وأنيبوا إلى ربكم} قال صاحب "الكشاف" أي وتوبوا إليه وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه،

وأقول هذا الكلام ضعيف جدا لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة،

فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلا قطعا لما احتيج إلى التوبة، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب، فإذا سقط العقاب بعفو اللّه عنه فلا حاجة إلى التوبة،

فنقول هذا ضعيف لأنمذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعا ويعفو عنها قطعا إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وتارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب، فثبت أن الذي قاله صاحب "الكشاف" ضعيف ولا فائدة فيه.

﴿ ٥٤