٥٦

فالأول: قوله تعالى: {أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب اللّه وإن كنت لمن الساخرين}

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله {أن تقول} مفعول له أي كراهة أن تقول: {نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب اللّه}

وأما تنكير لفظ النفس ففيه وجهان

الأول: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما لا ينفي رغبتها في المعاصي والثاني: يجوز أن

يراد به الكثرة،

وذلك لأنه ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك الحكم معلل بذلك الوصف، فقوله {*يا حسرتا} يدل على غاية الأسف ونهاية الحزن وأنه مذكور عقيب قوله تعالى: {نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب اللّه} والتفريط في طاعة اللّه تعالى يناسب شدة الحسرة وهذا يقتضي حصول تلك الحسرة عند حصول هذا التفريط، وذلك يفيد العموم بهذه الطريقة.

المسألة الثانية: القائلون بإثبات الأعضاء للّه تعالى استدلوا على إثبات الجنب بهذه الآية، واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت، فلا فائدة في الإعادة، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا للّه تعالى، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه، فثبت أنه لا بد من المصير إلى التأويل وللمفسرين فيه عبارات، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب اللّه، وقال مقاتل ضيعت من ذكر اللّه، وقال مجاهد في أمر اللّه، وقال الحسن في طاعة اللّه، وقال سعيد بن جبير في حق اللّه، واعلم أن الإكثار من هذه العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل،

فنقول: الجنب سمي جنبا لأنه جانب من جوانب ذلك الشيء والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازما للشيء وتابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر والطاعة قال الشاعر:

أما تتقين اللّه جنب وامق له كبد حرا عليك تقطع

المسألة الثالثة: قال صاحب "الكشاف" قرىء {*يا حسرتي} على الأصل و {*يا حسرتاي} على الجمع بين العوض والمعوض عنه.

أما قوله تعالى: {جنب اللّه وإن كنت لمن الساخرين} أي أنه ما كان مكتفيا بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين، قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها، ومحل {وإن كنت} نصب على الحالة كأنه قال: فرطت في جنب اللّه وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي.

النوع الثاني: من الكلمات التي حكاها اللّه تعالى عن أهل العذاب أنهم يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله {أو تقول لو أن اللّه هدانى لكنت من المتقين}.

النوع الثالث: قوله {أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين} وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء

أولها: الحسرة على التفريط في الطاعة

وثانيها: التعلل بفقد الهداية

وثالثها: بتمني الرجعة، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامهم بأن قال بفقد الهداية باطل، لأن الهداية كانت حاصرة والأعذار زائلة، وهو المراد بقوله {بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل

فيه معنى النفي، لأن معنى قوله {لو أن اللّه هدانى} أنه ما هداني، فلا جرم حسن ذكر لفظة {بلى} بعده.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللّه: القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله {بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر،

وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله {سولت لى نفسى} (طه: ٩٦) و {إن النفس لامارة بالسوء} (يوسف: ٥٣) و {*يا أيتها النفس المطمئة} (الفجر: ٢٧).

المسألة الثالثة: قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه

الأول: أنه لا يقال: فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل اللّه تعالى،

وثانيها: أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد، وثالثها: إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك

ورابعها: قوله تعالى: {العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع

وخامسها: ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل،

وسادسها: قولهم { أَنْ تَقُولَ نفس ياحسرتا على ما فرطت فى جنب اللّه} ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله،

وسابعها: قوله تعالى: {على ما فرطت فى جنب اللّه} ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكونمفرطا،

وثامنها: ذمه لهم بأنهم من الساخرين، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه،

﴿ ٥٦

</