٧٣

{وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها ...}

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة، شرح أحوال أهل الثواب في هذه الآية، فقال: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا}

فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب والشقاوة لا بد وأن يساقوا إليه،

وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة، فأي حاجة فيه إلى السوق؟

والجواب من وجوه

الأول: أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: {الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} (الزخرف: ٦٧) فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب، فحينئذ يجتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة

والثاني: أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا اللّه تعالى لا للجنة ولا للنار، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال الجمال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة

والثالث: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "أكثر أهل الجنة البله وعليون للأبرار" فلهذا السبب يساقون إلى الجنة

وثالثها: أن أهل الجنة وأهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك، فشتان ما بين السوقين.

ثم قال تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها} الآية، واعلم أن جملة هذا الكلام شرط واحد مركب من قيود: القيد

الأول: هو مجيئهم إلى الجنة والقيد

الثاني: قوله تعالى: {وفتحت أبوابها}

فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو، وقال ههنا بالواو فما الفرق؟

قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدما على وصولهم إليها بدليل قوله {جنات عدن مفتحة لهم الابواب} (ص: ٥٠) فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها.

القيد الثالث: قوله {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} فبين تعالى أن خزنةالجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث

فأولها: قولهم {سلام عليكم} وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات

وثانيها: قولهم {طبتم} والمعنى طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالها: قولهم {فادخلوها خالدين} والفاء في قوله {فادخلوها} يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب والطهارة، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحدا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرا عن كل المعاصي

قلنا هذا شعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات، وحينئذ يصيرون طيبين طاهرين بفضل اللّه تعالى،

فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب؟

قلنا فيه وجهان

الأول: أن الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره

الثاني: أن الجواب هو قوله تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم} والواو محذوف، والصحيح هو الأول،

﴿ ٧٣