١٥{رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده لينذر يوم التلاق} اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرا للآيات منزلا للأرزاق، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله {رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح} قال صاحب "الكشاف" ثلاثة أخبار لقوله {هو} مرتبة على قوله {الذى يريكم} (غافر: ١٣) أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا، قرىء {رفيع الدرجات} بالنصب على المدح، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة: الصفة الأولى: قوله {رفيع الدرجات} واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول: :أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء درجة معينة، كما قال: {وما منا إلا له مقام معلوم} (الصافات: ١٦٤) وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال: {يرفع اللّه الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة: ١١) وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية عنصرية، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني، وأيضا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل، فقال: {وهو الذى جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات} (الأنعام: ١٦٥) وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي، الذي هو أول لكل ما سواه، وليس له أول وآخر لكل ما سواه، وليس له آخر، أما في العلم: فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات، كما قال: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} (الأنعام: ٥٩) وأما في القدرة: فهو أعلى القادرين وأرفعهم، لأنه في وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فإنه محتاج في وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه، وأما في الوحدانية: فهو الواحد الذي يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير، وأقول: الحق سبحانه له صفتان أحدهما: استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني: افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده، فالرفيع إن فسرناه بالمرتفع، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام، وإن فسرناه بالرافع، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته. الصفة الثانية: قوله {ذو العرش} ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله {رفيع الدرجات ذو العرش} وحملوه على أن المراد بالدرجاتالسموات، وبقوله {ذو العرش} أنه موجود في العرش فوق سبع سموات، وقد ىعظموا الفرية على اللّه تعالى، فأنا بينا بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسما وفي جهة محال، وأيضا فظاهر اللفظ لا يدل على ما قالوه، لأن قوله {ذو العرش} لا يفيد إلا إضافته إلى العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكا له ومخرجا له من العدم إلى الوجود، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام، والمقصود بيان كمال إلهيته ونفاذ قدرته، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم، كانت دلالته على كمال القدرة أقوى. الصفة الثانية: قوله {يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده} وفيه مباحث: البحث الأول: اختلفوا في المراد بهذا الروح، والصحيح أن المراد هو الوحي، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في تفسير قوله {ينزل الملائكة بالروح من أمره} (النحل: ٢) وقال أيضا: {أو من كان ميتا فأحييناه} (الانعام: ١٢٢) وحاصل الكلام فيه: أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية، فإذا كان الوحي سببا لحصول هذه الأرواح سمي بالروح، فإن الروح سبب لحصول الحياة، والوحي سبب لحصول هذه الحياة الروحانية. واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات، وذلك لأن كمال كبرياء اللّه تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام، فالطريق الكامل في تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي، ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر بهذا الطريق معاضدا للعقل، فههنا أيضا كذلك، فقوله {رفيع الدرجات} أما أن يكون بمعنى كونه رافعا للدرجات، وهو إشارة إلى تأثير قدرة اللّه تعالى في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها، أو إلى كونه تعالى مرتفعا في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات، فهذا الكلام عقلي برهاني، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير، وذلك لأن ما سوى اللّه تعالى أما جسمانيات وءماروحانيات، فبين في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى، أما الجسمانيات فأعظمها العرش، فقوله {ذو} يدل على استيلائه على كلية عالم الأجسام، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكدا لذلك العقول، أعني قوله {الكافرون رفيع الدرجات} وأما الروحانيات فكلها مسخرة للحق سبحانه، وإليه الإشارة بقوله {يلقى الروح من أمره}. واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي، والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها: المرسل وهو اللّه سبحانه وتعالى، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال: {يلقى الروح} والركن الثاني: الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث: أن وصول الوحي من اللّه تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله {من أمره} فالركن الروحاني يسمى أمرا، قال تعالى: {وأوحى فى كل سماء أمرها} (فصلت: ١٢) وقال: {ألا له الخلق والامر} (الأعراف: ٥٤) والركن الرابع: الأنبياء الذين يلقي اللّه الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله {على من يشاء من عباده} والركن الخامس: تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانياتوإليه الإشارة بقوله {لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون} فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية. وبقي ههنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق؟ وكم الصفات التي ذكرها اللّه تعالى في هذه السورة ليوم التلاق؟ أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه: الأول: أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني: أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث: أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} (الفرقان: ٢٥) الرابع: أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق هو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله الخامس: يمكن أن يكون ذلك مأخوذا من قوله {فمن كان يرجو لقاء ربه} (الكهف: ١١٠) ومن قوله {تحيتهم يوم يلقونه سلام} (الأحزاب: ٤٤) السادس: يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون السابع: يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن: قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلأ وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليثه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضا، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل. وأما بين أن اللّه تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية، فنقول: الصفة الأولى: كونن يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره. |
﴿ ١٥ ﴾