٢٧

{ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا فى الارض ...}.

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله {ويستجيب الذين ءامنوا}؟ فأجاب تعالى عنه بقوله {ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا فى الارض} أي ولأقدموا على المعاصي، ولما كان ذلك محذورا وجب أن يعطيهم ما طلبوه، قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين:

الأول: أن حاصل الكلام أنه تعالى: {لو * بسط * الرزق لعباده لبغوا فى الارض} والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة

الثاني: أنه تعالى بين أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريدا للمفسدة كان أولى، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل، وفاعل هذه الأحوال

أما العبد أو اللّه والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضا فالميل الشديد إلى الظلم ولاقسوة عيوب ونقصانات، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو اللّه تعالى، ثم أورد الجبائي في "تفسيره" على نفسه سؤالا قال:

فإن قيل أليس قد بسط اللّه الرزق لبعض عباده مع أنه بغى؟ وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط،

وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآنوالعقل،

أما القرآن فقوله تعالى: {إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى} (العلق: ٦، ٧) حكم مطلقا بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان.

وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان.

المسألة الثانية: في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجبا للطغيان ذكروا فيه وجوها

الأول: أن اللّه تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادما للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح

الثاني: أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة

الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع.

المسألة الثالثة: قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها،

وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.

ثم قال تعالى: {ولاكن ينزل بقدر ما يشاء} قرأ ابن كثير وأبو عمرو {ينزل} خفيفة والباقون بالتشديد، ثم نقول {بقدر} بتقدير يقال قدره قدرا وقدرا {إنه بعباده خبير بصير} يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم، ولما بين تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه

﴿ ٢٧