٢٩

ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال: {ومن ءاياته خلق * السماوات والارض * وما بث فيهما من دابة} فنقول:

أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم،

فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟

قلنا فيه وجوه

الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن: ٢٢)

الثاني: أن الدبيب هو الحركة، والملائكة لهم حركة

الثالث: لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.

ثم قال تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} قال صاحب "الكشاف": إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال تعالى: {واليل إذا يغشى} (الليل: ١) ومنه {إذا يشاء قدير} والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة، لا لعجز ولكن لمصلحة، فلهذا قال: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} يعني الجمع للحشروالمحاسبة، وإنما قال: {على جمعهم} ولم يقل على جمعها، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير، واحتج الجبائي بقوله {إذا يشاء قدير} على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال: إن كلمة {إذا} تفيد ظرف الزمان، وكلمة {يشاء} صيغة المستقبل، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة، ولما دل قوله {إذا يشاء قدير} على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة

والجواب: أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة، أي مشيئة اللّه، فقد دخلتا أيضا على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادرا صفة محدثة، ولما كان هذا باطلا، فكذا القول فيما ذكره، واللّه أعلم.

﴿ ٢٩