٤٠{وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه إنه لا يحب الظالمين}. اعلم أنه تعالى لما قال: {والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون} (الشورى: ٣٩) أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السماوات والأرض، فلهذا السبب قال: {وجزاء سيئة * مثلها} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه، فكيف سمي بالسيئة؟ أجاب صاحب "الكشاف": عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به، قال تعالى: {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} (النساء: ٧٨) يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر، والحق ما ذكره صاحب "الكشاف". والمسألة الثانية: هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن إلهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل، ثم تأكد هذا النص بنصوص أخر، كقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} (النحل: ١٢٦) وقوله تعالى: {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} (غافر: ٤٠) وقوله عز وجل: {كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة: ١٧٨) والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى: {والجروح قصاص} (المائدة: ٤٥) وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حيواة} (البقرة: ١٧٩) فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله. ثم هاهنا دقيقة: وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصور، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيها على الباقي. المثال الأول: احتج الشافعي رضي اللّه عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب أن لا يجري القصاصبينهما، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة وكيفية الاستدلال بها أن نقول أما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه دليل العقل ودليل نقلي منفصل، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضا الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص. المثال الثاني: احتج الشافعي رضي اللّه عنه في أن الأيدي تقطع باليد الواحد، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع أما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل، بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى. المثال الثالث: شريك الأب شرع في حقه القصاص، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: {والجروح قصاص} (المائدة: ٤٥) وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق. المثال الرابع: قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله. المثال الخامس: شهود القصااص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدرا لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}. المثال السادس: قال الشافعي رضي اللّه عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه القتل ظلما فوجب أن يجب عليه مثله، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلما فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل اللّه تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}. المثال السابع: قال الشافعي رضي اللّه عنه القتل بالمثقل يوجب القود، والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}. المثال الثامن: الحر لا يقتل بالعبد قصاصا ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة في المثال الأول إلا أنا نذكر ههنا وجها آخر من البيان، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئا يساوي عشرة دنانير مثلا فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق. المثال التاسع: منافع الغضب مضمونة عند الشافعي رضي اللّه عنه والدليل عليه أن الغاضب فوت على المالك منافع تقابل في العرب بدينار فوجب أن يفوت على الغاضب مثله من المال لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة} وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاضب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه. المثال العاشر: الحر لا يقتل بالعبد قصاصا لأنه لو قتل بالعبد هو مساويا للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله {القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} (غافر: ٤٠) ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصا بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساويا لعبد نفسه في المعاني الموجبة للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساويا لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص، فكان عبد نفسه مثلا لمثل نفسه، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلا لنفسه في المعاني الموجبة للقصاص، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة في التفريع على هذه الآية، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل واللّه أعلم، ثم ههنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضي اللّه عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة، فقال الشافعي رضي اللّه عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي من الأويدي في مقابلة يد واحدة حراما لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة حراما، لأن تفويث النفس يشتمل على تفويث اليد فتفويت عشرة من النفوس في مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة فلو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراما لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملا على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس الواحدة، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء الزيادة غير ممنوع منه شرا، واللّه أعلم. المسألة الثالثة: قد بينا أن قوله {وجزاء سيئة سيئة مثلها} يتقضي وجوب رعاية المماثلة مطلقا في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من اعدى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص في جميع المطالب، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه اللّه، فليقل له أخزاه اللّه، أما إذا قذفه قذفا يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر اللّه به. ثم قال تعالى: {فمن عفا وأصلح} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: {فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم} (فصلت: ٣٤) {فأجره على اللّه} وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم. ثم قال تعالى: {إنه لا يحب الظالمين} وفيه قولان الأول: أن المقصود منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدي خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالما، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على اللّه أجر فليقم، قال فيقوم خلق فقال لهم ما أجركم على اللّه؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن اللّه تعالى" الثاني: أنه تعالى لما حث على العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيها على أنه إذ كان لا يحبه ومع ذلك فإنه يندب على عفوه، فالمؤمن الذي هو حبيب اللّه بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه. |
﴿ ٤٠ ﴾