٥١{وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحيا ...} اعلم أنه تعالى لما بين كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: {وما كان لبشر} وما صح لأحد من البشر {أن يكلمه اللّه} إلا على أحد ثلاثة أوجه، أما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام كما أوحى اللّه إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده، وعن نجاهد أوحى اللّه تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، وأما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ، وهذا أيضا وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحيا، قوله تعالى: {فاستمع لما يوحى} (طه: ١٣) وأما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيبلغ ذلك الملك الذي الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من اللّه إلى البشر أما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ، وإذا كان الأول هو أن يصل إليه وحي اللّه لا بواسطة شخص آخر فههنا أما أن يقال إنه لم يسمع عين كلام اللّه أو يسمعه، أما الأول: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام للّه فهو المراد بقوله {إلا وحيا} وأم الثاني: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه مسع عين كلام اللّه فهو المراد من قوله {أو من وراء حجاب} وأما الثالث: وهو أنه وصل إليه لوحي بواسطة شخص آخر فهو المراد بقوله {أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء} واعلم أن كل واحد من هذه الأ"قسام الثلاثة وحي، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض. المسألة الثانية: القائلون بأن اللّه في مكان احتجوا بقوله {أو من وراء حجاب} وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا على أحد ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون اللّه من وراء حجاب، وإنما يصحب ذلك لو كان مختصا بمكان معين وجهة معينة والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دلت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل، والمعنى أن الرجل سمع كلاما مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيها بما إذا تكلم من وراء حجاب، والمشابهة سبب لجواز المجاز. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية اللّه تعالى لصح من اللّه تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد، فحينئذ يكون ذلك قسما رابعا زائدا على هذه الأقسام الثلاثة، واللّه تعالى نفى القسم الرابع بقوله {وما كان لبشر أن يكلمه اللّه} إلا على هذه الأوجه الثلاثة الجواب: نزيد في اللفظ قيدا فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه اللّه في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذ لا يلزم ما ذكرتموه وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة واللّه أعلم. المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن اللّه تعالى متكلم، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام اللّه هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام اللّه تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات. أما الفريق الأول: وهم الذين قالوا كلام اللّه تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم فريقان أحدهما: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم اللّه بهذه الحروف أما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذ التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام اللّه تعالى، والثاني: باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك لرجل هذا الكلام قال لواجب علينا أن نقر ونمر، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة، أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى، واختلفوا أيضا في أن هذه الحروف هل هي قائمة بذات اللّه تعالى أو يخلقها في جسم آخر، فالأول: هو قول الكرامية والثاني: قول المعتزلة، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام اللّه صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله {أو من وراء حجاب} هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزه عن الحرف والصوت من وراء حجاب، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات اللّه مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام اللّه مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا؟ وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها اللّه تعالى في الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة واللّه أعلم. المسألة الخامسة: قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام اللّه تعالى من وجوه الأول: أن قوله تعالى: {أن يكلمه اللّه} يدل عليه لأن كلمة أن مع المضرع تفيد الاستقبال الثاني: أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث: أن قوله {أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء} يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذي سمعه من اللّه والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث، فلما كان الكلام الذي سمعه من اللّه مماثلا لهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من اللّه حادث الرابع: أن قوله {أو يرسل رسولا فيوحى} يقتضي كون الوحي حاصلا بعد الإرسال، وما كان حصوله متأخرا عن حصول غيره كان حادثا والجواب: أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن؟ واللّه أعلم. المسألة السادسة: ثبت أن الوحي من اللّه تعالى، أما أن لا يكون بواسطة شخص آخر، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلا بواسطة شخص آخر وإلا لزم أما التسلسل وأما الدور، هما محالان، فلا بد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر، ثم ههنا أبحاث: البحث الأول: أن الشخص الأول الذي سمع وحي اللّه لا بواسطة شخص آخر كيف يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام اللّه، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزنة عن كونها حرفا وصوتا، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام اللّه تعالى، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاما للّه تعالى، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام اللّه تعالى. البحث الثاني: أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث، وعلى هذا التقدير، فالوحي من اللّه تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات: المرتبة الأولى: أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من اللّه تعالى، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام اللّه تعالى. المرتبة الثانية: أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لا بد له أيضا من معجزة. المرتبة الثالثة: أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلا بد له أيضا من معجزة، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات. البحث الثالث: أنه لا شك أن ملكا من الملائكة قد سمع الوحي من اللّه تعالى ابتداء، فذلك الملك هو جبريل، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر، فالكل محتمل ولو بألف واسطة، ولو يوج، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه. البحث الرابع: هل في البشر من سمع وحي اللّه تعالى من غير واسطة؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام اللّه من غير واسطة، بدليل قوله تعالى: {فاستمع لما يوحى} (طه: ١٣) وقيل إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم سمعه أيضا لقوله تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} (النجم: ١٠). البحث الخامس: أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة، فبتقدير أن يراه الرسول صلى اللّه عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد. المسألة السابعة: دلت المناظرات المذكورة في القرآن بين اللّه تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة، فذلك هل يسمى وحيا من اللّه تعالى إلى إبليس أو لا، الأظهر منعه، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل. المسألة الثامنة: قرأ نافع {أو يرسل رسولا} برفع اللام، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير، وهو يرسل فيوحي، والباقون بالنصب على تأويل المصدر، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحيا أو إسماعا لكلامه من وراء حجاب أو يرسل، لكن فيه إشكال لأن قوله وحيا أو إسماعا اسم وقوله {أو يرسل} فعل، وعطف الفعل على الاسم قبيح، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحيا أو يسمع إسماعا من وراء حجاب أو يرسل رسولا. المسألة التاسعة: الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى} الشفاعة ترتجى، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه اللّه وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين آخرين الأول: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتيا" فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي اللّه تعالى؟ والثاني: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "ما سلك عمر فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر" فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي اللّه تعالى؟ المسألة العاشرة: قوله تعالى: {فيوحي بإذنه ما يشاء} يعني فويحي ذلك الملك بإذن اللّه ما يشاء اللّه، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه، بل للّه أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله {ما يشاء} واللّه أعلم. ثم قال تعالى في آخر الآية {إنه على حكيم} يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثا بتوسيط الملائكة الكرام، |
﴿ ٥١ ﴾