٣

قال العلماء: هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، حكاه سيبويه. والمصدر وجل جلا وموجلا؛ بالفتح. وهذا موجله (بالكسر) للموضع والاسم. فمن قال: ياجل في المستقبل جعل الواو ألفا لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن الواو {قالوا لا توجل} [الحجر: ٥٣]. ومن قال: {ييجل} بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نيجل، وأنت تيجل؛ كلها بالكسر. ومن قال: {ييجل} بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في {ييجل} لتقوي إحدى الياءين بالأخرى. والأمر منه {إيجل} صارت الواو ياء الكسرة ما قبلها. وتقول: إني منه لأوجل. ولا يقال في المؤنث: وجلاء: ولكن وجلة. وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز: {الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم} قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: اتق اللّه، ووجل قلبه.

وصف اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية {وبشر المخبتين. الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم} [الحج: ٣٤، ٣٥]. وقال: {وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه} [الرعد: ٢٨]. فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب. والوجل: الفزع من عذاب اللّه؛ فلا تناقض. وقد جمع اللّه بين المعنيين في قوله {اللّه نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه} [الزمر: ٢٣]. أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى اللّه وإن كانوا يخافون اللّه. فهذه حالة العارفين باللّه، الخائفين من سطوته وعقوبته؛ لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة باللّه، والخوف منه، والتعظيم لجلاله؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن اللّه والبكاء خوفا من اللّه. ولذلك وصف اللّه أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: ٨٣]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم؛ فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا؛ والجنون فنون.

روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: {سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا}. فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث.

وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا.

قوله تعالى: {زادتهم إيمانا} أي تصديقا. فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس؛ فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم.

وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة؛ وقد مضى هذا المعنى في {آل عمران}.

{وعلى ربهم يتوكلون} تقدم معنى التوكل في {آل عمران} أيضا.

{الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} تقدم في سورة {البقرة}.

﴿ ٣