|
٤٧ قوله تعالى: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} أي ليس، من أهلك الذين وعدتهم أن أنجيهم؛ قاله سعيد بن جبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك؛ فهو على حذف مضاف؛ وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب. {إنه عمل غير صالح} قرأ ابن عباس وعروة وعكرمة ويعقوب والكسائي {إنه عمل غير صالح} أي من الكفر والتكذيب؛ واختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون {عمل} أي ابنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف؛ قاله الزجاج وغيره. قال: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز أن تكون الهاء للسؤال؛ أي إن سؤالك إياي أن أنجيه. عمل غير صالح. قال قتادة. وقال الحسن: معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه. وكان لغير رشدة، وقال أيضا مجاهد. قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: واللّه ما كان ابنه؛ قلت إن اللّه أخبر عن نوح أنه قال: {إن ابني من أهلي} فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ابن امرأته من زوج آخر؛ فقلت له: إن اللّه حكى عنه أنه قال: {إن ابني من أهلي} {ونادى نوح ابنه} ولا يختلف أهل الكتابين أنه ابنه؛ فقال الحسن: ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب! إنهم يكذبون. وقرأ: {فخانتاهما} [التحريم: ١٠]. وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنة، وكان ولد على فراشه، وكانت امرأته خانته فيه، ولهذا قال: {فخانتاهما}. وقال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط)، وأنه كان ابنه لصلبه. وكذلك قال الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم، وأنه كان ابنه لصلبه. وقيل لسعيد بن جبير يقول نوح: {إن ابني من أهلي} أكان من أهله؟ أكان ابنه؟ فسبح اللّه طويلا ثم قال: (لا اله إلا اللّه! يحدث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أنه ابنه، وتقول إنه ليس ابنه! نعم كان ابنه؛ ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدين، ولهذا قال اللّه تعالى: {إنه ليس من أهلك})؛ وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء اللّه تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: {إنه ليس من أهلك} ليس مما ينفي عنه أنه ابنه. وقوله: {فخانتاهما} [التحريم: ١٠] يعني في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم. قالت: فمتى؟ قال: إذا فار التنور؛ فخرجت تقول لقومها: يا قوم واللّه إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، فهذه خيانتها. وخيانة الأخرى أنها كانت تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء اللّه. واللّه أعلم. وقيل: الولد قد يسمى عملا كما يسمى كسبا، كما في الخبر (أولادكم من كسبكم). ذكره القشيري. في هذه الآية تسلية للخلق في فساد ابنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه، قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس؛ فقال مالك: الأدب أدب اللّه لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير اللّه لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا، ومن أهل البيت؛ فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله، وهو في عياله. وقال تعالى في آية أخرى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الصافات: ٧٥] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله. ودلت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش؛ ولذلك قال نوح ما قال آخذا بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نرى رسول اللّه صلى عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل ابن نوح عليه السلام؛ ذكره أبو عمر في كتاب {التمهيد}. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) يريد الخيبة. وقيل: الرجم بالحجارة. وقرأ عروة بن الزبير. {ونادى نوح ابنها} يريد ابن امرأته، وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه، وعن علي رضي اللّه عنه، وهي حجة للحسن ومجاهد؛ إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها لها. واللّه أعلم. قوله تعالى: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين؛ أي الآثمين. ومنه قوله تعالى: {يعظكم اللّه أن تعودوا لمثله أبدا} [النور: ١٧] أي يحذركم اللّه وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن العربي: وهذه زيادة من اللّه وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين؛ فـ {قال} نوح: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر اللّه تذللّه وتواضعه. {وإلا تغفر لي} ما فرط من السؤال. {وترحمني} أي بالتوبة. {أكن من الخاسرين} أي أعمالا. فقال: {يا نوح اهبط بسلام منا}. |
﴿ ٤٧ ﴾