٩٢

قوله تعالى: {قالوا تاللّه لقد آثرك اللّه علينا} الأصل همزتان خففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، واسم الفاعل مؤثر، والمصدر إيثار. ويقال: أثرت التراب إثارة فإنا مثير؛ وهو أيضا على أفعل ثم أعل، والأصل أثير نقلت حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأثرت الحديث على فعلت فأنا اثر؛ والمعنى: لقد فضلك اللّه علينا، واختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك.

{وإن كنا لخاطئين} أي مذنبين من خطئ يخطأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو.

وقيل لابن عباس: كيف قالوا {وإن كنا لخاطئين} وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنبا تخطى المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية.

قوله تعالى: {لا تثريب عليكم اليوم} أي قال يوسف - وكان حليما موفقا:

{لا تثريب عليكم اليوم} وتم الكلام. ومعنى {اليوم}: الوقت. والتثريب التعيير والتوبيخ، أي تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قال سفيان الثوري وغيره؛ ومنه قوله عليه السلام: (إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) أي لا يعيرها؛ وقال بشر:

فعفوت عنهم عفو مثرب وتركتهم لعقاب يوم سرمد

وقال الأصمعي: ثربت عليه وعربت عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح؛ وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال:

(الحمد للّه الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) ثم قال: (ماذا تظنون يا معشر قريش) قالوا: خيرا، أخ كريم، ابن أخ كريم وقد قدرت؛ قال:

وأنا أقول كما قال أخي يوسف {لا تثريب عليكم اليوم} فقال عمر رضي اللّه عنه: ففضت عرقا من الحياء من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال استحييت من قولي.

{يغفر اللّه لكم} مستقبل فيه معنى الدعاء؛ سأل اللّه أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقت على {عليكم} والأول هو المستعمل؛ فإن في الوقف على

{عليكم} والابتداء بـ {اليوم يغفر اللّه لكم} جزم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بين. وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ؛ ألم تر قول يوسف:

{لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم} وقال يعقوب: {سوف أستغفر لكم ربي}.

﴿ ٩٢