٦٢

قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تقدم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان، فانجر الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر اللّه تعالى في قوله تعالى:

{فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} أي من طين. وهذا استفهام إنكار. وقد تقدم القول في خلق آدم في {البقرة} و{الأنعام} مستوفى.

{قال أرأيتك} أي قال إبليس. والكاف توكيد للمخاطبة.

{هذا الذي كرمت علي} أي فضلته علي. ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة. وقد تقدم هذا في {الأعراف}.

و{هذا} نصب بـ {أرأيت}. {الذي} نعته. والإكرام: اسم جامع لكل ما يحمد. وفي الكلام حذف تقديره: أخبرني عن هذا الذي فضلته علي، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع.

وقيل: لا حاجة إلى تقدير الحذف؛ أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى {لأحتنكن} في قول ابن عباس: لأستولين عليهم. وقاله الفراء. مجاهد: لأحتوينهم. ابن زيد: لأضلنهم. والمعنى متقارب؛ أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم.

وروي عن العرب: إحتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله.

وقيل: معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت. ومن قولهم: حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن. وكذلك إحتنكه. والقول الأول قريب من هذا؛ لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك. وقال الشاعر:

أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت

واحتنكت أموالنا واجتلفت

{إلا قليلا} يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم اللّه في قوله: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الإسراء: ٦٥] وإنما قال إبليس ذلك ظنا؛. كما قال اللّه تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: ٢٠] أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم؛ أو بنى على قول الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة: ٣٠]. وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عزما.

﴿ ٦٢