|
٨١ {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يطعنها بمخصرة في يده - وربما قال بعود - ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم (نصبا). وفي رواية (صنما). قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين. وقوله: (فجعل يطعنها بعود في يده) يقال إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه، أو في قفاه خر لوجهه. وكان يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) حكاه أبو عمر والقاضي عياض. وقال القشيري: فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه، ثم أمر بها فكسرت. في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية اللّه كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللّهو بها عن ذكر اللّه تعالى. قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللّهو المنهي عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها. قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة؛ إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي اللّه عنه. وقد هم النبي صلى اللّه عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في المال مع قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها: (دعوها فإنها ملعونة) فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لبنا شيب بماء على صاحبه. ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم: (واللّه لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها...) الحديث. خرجه الصحيحان. ومن هذا الباب هتك النبي صلى اللّه عليه وسلم الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم؛ وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في {النمل} إن شاء اللّه تعالى. قوله تعالى: {وقل جاء الحق} أي الإسلام. وقيل: القرآن؛ قال مجاهد. وقيل: الجهاد. {وزهق الباطل} قيل الشرك. وقيل الشيطان؛ قاله مجاهد. والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه. {وزهق الباطل}: بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا، وأزهقتها. {إن الباطل كان زهوقا} أي لا بقاء له والحق الذي يثبت. |
﴿ ٨١ ﴾