٥٠

قوله تعالى: {قال سلام عليك} لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد؛ لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية؛ قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيها؛ كما قال: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: ٦٣].

وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق؛ وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها.

قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم؛ قال اللّه تعالى: {لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن اللّه يحب المقسطين} [الممتحنة: ٨]. وقال {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} [الممتحنة:٤] الآية؛ وقال إبراهيم لأبيه {سلام عليك}.

قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة؛ وفي الباب حديثنا صحيحان: روى أبو هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:

(لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه) خرجه البخار ومسلم. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه، وأردف وراءه أسامة بن زيد؛ وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبداللّه بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبداللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبداللّه بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم؛ الحديث. فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء لأن ذلك إكرام، والكافر ليس أهله. والحديث الثاني يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة فإنه ليس في أحدهما خلاف للأخر وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام فبان بهذا أن حديث أبى هريرة (لا تبدؤوهم بالسلام) إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري:

وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه؛ قال علقمة: فقلت له يا أبا عبدالرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ ! قال نعم، ولكن حق الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ قيل له في ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم.

قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة؛ لحديث أنس بن مالك قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (إن اللّه تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة) الحديث؛ ذكره الترمذي الحكيم؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده. وقد مضى الكلام في معنى قوله: {سأستغفر لك ربي} وارتفع السلام بالابتداء؛ وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة.

{إنه كان بي حفيا} الحفي المبالغ في البر والإلطاف؛ يقال: حفي به وتحفى إذا بره. وقال الكسائي يقال: حفي بي حفاوة وحفوة. وقال الفراء: {إنه كان بي حفيا} أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته.

قوله تعالى: {وأعتزلكم} العزلة المفارقة وقد تقدم في {الكهف} بيانها.

وقوله: {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب اللّه تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه. ولهذا قال:

{فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه وهبنا له إسحاق ويعقوب} أي آنسنا وحشته بولد؛ عن ابن عباس وغيره.

وقيل: {عيسى} يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل

وقيل دعا لأبيه بالهداية. فـ {عسى} شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا؟ والأول أظهر.

وقوله: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} أي أثنينا عليهم ثناء حسنا؛ لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم. واللسان يذكر ويؤنث؛ وقد تقدم.

﴿ ٥٠