٢٤

قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا} أي لو كان في السموات والأرضين آلهة غير اللّه معبودون لفسدتا. قال الكسائي وسيبويه: {إلا} بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب كما غير، كما قال:

وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان

وحكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا. وقال الفراء: {إلا} هنا في موضع سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى اللّه لفسد أهلها. وقال غيره: أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير؛ لأن أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا.

وقيل: معنى {لفسدتا} أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء.

{فسبحان اللّه رب العرش عما يصفون} نزه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد.

قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} قاصمة للقدرية وغيرهم. قال ابن جريج: المعنى لا يسأل الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد. بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للألهية.

وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون.

وروي عن علي رضي عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: {لا يسأل عمال يفعل يفعل وهم يسألون}. وعن ابن عباس قال: لما بعث اللّه عز وجل موسى وكلمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللّهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب؟ فأوحي اللّه إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون.

قوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه آلهة} أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون اللّه مبالغة في التوبيخ، أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون {أم} بمعنى هل على ما تقدم، فليأتوا بالبرهان على ذلك.

وقيل: الأول احتجاج. من حيث المعقول؛ لأنه قال: {هم ينشرون} ويحيون الموتى؛ هيهات!

والثاني احتجاج بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القران، أم في الكتب المنزلة سائر الأنبياء؟ {هذا ذكر من معي} بإخلاص التوحيد في القرآن {وذكر من قبلي} في التوراة والإنجيل، وما أنزل اللّه من الكتب؛ فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن اللّه أمر باتخاذ آلهة سواه؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد، وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي. وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن؛ المعنى: {هذا ذكر من معي} بما يلزمهم من الحلال والحرام

{وذكر من قبلي} من الأمم ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك.

وقيل: {ذكر من معي} بما لهم من الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر

{وذكر من قبلي} من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة.

وقيل: معنى الكلام الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرأ {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذا. وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة: المعنى؛ هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي.

وقيل: ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي.

{بل أكثرهم لا يعلمون الحق} وقرأ ابن محيصن والحسن

{الحق} بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق. وعلى هذا يوقف على {لا يعلمون} ولا يوقف عليه على قراءة النصب.

{فهم معرضون} أي عن الحق وهو القرآن، فلا يتأملون حجة التوحيد.

﴿ ٢٤