٤٤

قوله تعالى: {ألم تر أن اللّه يزجي سحابا} ذكر من حججه شيئا آخر؛ أي ألم تر بعيني قلبك.

{يزجي سحابا} أي يسوق إلى حيث يشاء. والريح تزجي السحاب، والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه. ومنه زجا الخراج يزجو زجاء - ممدودا - إذا تيسرت جبايته. وقال النابغة:

إني أتيتك من أهلي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق

وقال أيضا:

أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد

{ثم يؤلف بينه} أي يجمعه عند انتشائه؛ ليقوى ويتصل ويكثف. والأصل في التأليف الهمز، تقول: تألف.

وقرئ {يؤلف} بالواو تخفيفا. والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع؛ ولهذا قال: {وينشئ السحاب} [الرعد: ١٢].

و{بين} لا يقع إلا لاثنين فصاعدا، فكيف جاز بينه؟

فالجواب أن {بينه} هنا لجماعة السحاب؛ كما تقول: الشجر قد جلست بينه لأنه جمع، وذكر الكناية على اللفظ؛ قال معناه الفراء.

وجواب آخر: وهو أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه مشتمل على قطع كثيرة، كما قال:

... بين الدخول فحومل

فأوقع {بين} على الدخول، وهو واحد لاشتماله على مواضع. وكما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة لأن الكوفة أماكن كثيرة؛ قال الزجاج وغيره. وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز وكان يروى:

... بين الدخول وحومل

{ثم يجعله ركاما} أي مجتمعا، يركب بعضه بعضا؛ كقوله تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم} [الطور: ٤٤]. والركم جمع الشيء؛ يقال منه: ركم الشيء يركمه ركما إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع. والركمة الطين المجموع. والركام: الرمل المتراكم. وكذلك السحاب وما أشبهه. ومرتكم الطريق - بفتح الكاف - جادته. {فترى الودق يخرج من خلاله} في {الودق} قولان:

أحدهما: أنه البرق؛ قاله أبو الأشهب العقيلي. ومنه قول الشاعر:

أثرنا عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلل السحاب

الثاني: أنه المطر؛ قاله الجمهور. ومنه قول الشاعر:

فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها

وقال امرؤ القيس:

فدمعهما ودق وسح وديمة وسكب وتوكاف وتنهملان

يقال: ودقت السحابة فهي وادقة. وودق المطر يدق ودقا؛ أي قطر. وودقت إليه دنوت منه. وفي المثل: ودق العير إلى الماء؛ أي دنا منه. يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه. والموضع مودق. وودقت به ودقا استأنست به. ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل: ودقت تدق ودقا، وأودقت واستودقت. وأتان ودوق وفرس ودوق، ووديق أيضا، وبها وداق. والوديقة: شدة الحر. وخلال جمع خلل؛ مثل الجبل والجبال، وهي فرجه ومخارج القطر منه. وقد تقدم في {البقرة} أن كعبا قال: إن السحاب غربال المطر؛ لو لا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية {من خللّه} على التوحيد. وتقول: كنت في خلال القوم؛أي وسطهم.

{وينزل من السماء من جبال فيها من برد} قيل: خلق اللّه في السماء جبالا من برد، فهو ينزل منها بردا؛ وفيه إضمار، أي ينزل من جبال البرد بردا، فالمفعول محذوف. ونحو هذا قول الفراء؛ لأن التقدير عنده: من جبال برد؛ فالجبال عنده هي البرد. و{برد} في موضع خفض؛ ويجب أن يكون على قوله المعنى: من جبال برد فيها، بتنوين جبال.

وقيل: إن اللّه تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد؛ فيكون التقدير: وينزل من السماء من جبال فيها برد. و{من} صلة.

وقيل: المعنى وينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض؛

{فمن} الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء،

والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال، والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البرد. وقال الأخفش: إن {من} في {الجبال} و{برد} زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في موضع نصب؛ أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال. واللّه أعلم.

{فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} فيكون إصابته نقمة وصرفه نعمة. وقد مضى في {البقرة}. و[الرعد] أن من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته عوفي مما يكون في ذلك الرعد.

{يكاد سنا برقه} أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب

{يذهب بالأبصار} من شدة بريقه وضوئه. قال الشماخ:

وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلا البصير

وقال امرؤ القيس:

يضيء سناه أو مصابيح راهب أهان السليط في الذبال المفتل

فالسنا - مقصور - ضوء البرق. والسنا أيضا نبت يتداوى به. والسناء من الرفعة ممدود. وكذلك قرأ طلحة بن مصرف {سناء} بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء؛ فأطلق عليه اسم الشرف. قال المبرد: السنا - مقصور - وهو اللمع؛ فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود وأصلهما واحد وهو الالتماع. وقرأ طلحة بن مصرف {سناء برقه} قال أحمد بن يحيى: وهو جمع برقة.

قال النحاس: البرقة المقدار من البرق، والبرقة المرة الواحدة. وقرأ الجحدري وابن القعقاع {يُذهب بالأبصار} بضم الياء وكسر الهاء؛ من الإذهاب، وتكون الباء في {بالأبصار} صلة زائدة. الباقون {يذهب بالأبصار} بفتح الياء والهاء، والباء للإلصاق. والبرق دليل على تكاثف السحاب، وبشير بقوة المطر، ومحذر من نزول الصواعق.

قوله تعالى: {يقلب اللّه الليل والنهار} قيل: تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر.

وقيل: تقليبهما نقصهما وزيادتهما.

وقيل: هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى؛ وكذا الليل مرة بظلمة السحاب ومرة بضوء القمر؛ قاله النقاش.

وقيل: تقليبهما باختلاف ما تقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر.

{إن في ذلك} أي في الذي ذكرناه من تقلب الليل والنهار، وأحوال المطر والصيف والشتاء {لعبرة} أي اعتبارا

{لأولي الأبصار} أي لأهل البصائر من خلقي.

﴿ ٤٤