|
٤٦ قوله تعالى: {واللّه خلق كل دابة من ماء} قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {واللّه خالق كل} بالإضافة. الباقون {خلق} على الفعل. قيل: إن المعنيين في القراءتين صحيحان. أخبر اللّه عز وجل بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في هذا: إحدى القراءتين أصح من الأخرى. وقد قيل: إن {خلق} لشيء مخصوص، وإنما يقال خالق على العموم؛ كما قال اللّه عز وجل: {الخالق البارئ} [الحشر: ٢٤]. وفي الخصوص {الحمد للّه الذي خلق السموات والأرض} [الأنعام: ١] وكذا: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} [الأعراف: ١٨٩]. فكذا يجب أن يكون {واللّه خلق كل دابة من ماء}. والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان؛ يقال: دب يدب فهو داب؛ والهاء للمبالغة. وقد تقدم في {البقرة}. {من ماء} لم يدخل في هذا الجن والملائكة؛ لأنا لم نشاهدهم، ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح (إن الملائكة خلقوا من نور والجن من نار). وقد تقدم. وقال المفسرون: {من ماء} أي من نطفة. قال النقاش: أراد أمنية الذكور. وقال جمهور النظرة: أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين؛ وعلى هذا يتخرج قول النبي صلى اللّه عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن أنتما؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (نحن من ماء). الحديث. وقال قوم: لا يستثني الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء؛ وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء؛ إذ أول ما خلق اللّه تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء. قلت: ويدل على صحة هذا قوله تعالى: {فمنهم من يمشي على بطنه} المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره. وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى. والأربع لسائر الحيوان. وفي مصحف أبي {ومنهم من يمشي على أكثر}؛ فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش؛ ولكنه قرآن لم يثبته إجماع؛ لكن قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه. وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع؛ إذ لم يقل ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع. وقيل فيه إضمار: ومنهم من يمشي على أكثر من أربع؛ كما وقع في مصحف أبي. واللّه أعلم. و{دابة} تشمل من يعقل وما لا يعقل؛ فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل؛ لأنه المخاطب والمتعبد؛ ولذلك قال {فمنهم}. وقال: {من يمشي} فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع؛ أي لو لا أن للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا، بل كانوا من جنس واحد؛ وهو كقوله: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات}. [الرعد: ٤]. {إن اللّه على كل شيء} مما يريد خلقه {قدير}. |
﴿ ٤٦ ﴾