٣٢

قوله تعالى: {منيبين إليه} اختلف في معناه، فقيل: راجعين إليه بالتوبة والإخلاص. وقال يحيى بن سلام والفراء: مقبلين إليه. وقال عبدالرحمن بن زيد: مطيعين له.

وقيل تائبين إليه من الذنوب؛ ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:

فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا

والمعنى واحد؛ فإن {ناب وتاب وثاب وآب} معناه الرجوع. قال الماوردي: وفي أصل الإنابة قولان:

أحدهما: أن أصله القطع؛ ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع؛ فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى اللّه عز وجل بالطاعة.

الثاني: أصله الرجوع؛ مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى؛ ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة. الجوهري: وأناب إلى اللّه أقبل وتاب. والنوبة واحدة النوب، تقول: جاءت نوبتك ونيابتك، وهم يتناوبون النوبة فيما بينهم في الماء وغيره. وانتصب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى: {أقم وجهك} فأقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفراء: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين.

وقيل: انتصب على القطع؛ أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه؛ لأن الأمر له، أمر لأمته؛ فحسن أن يقول منيبين إليه، وقد قال اللّه تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: ١].

{واتقوه} أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به.

{وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} بين أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص؛ فلذلك قال: {ولا تكونوا من المشركين} وقد مضى هذا مبينا {في النساء والكهف} وغيرهما.

{من الذين فرقوا دينهم} تأوله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: أنه لأهل القبلة من أهل الأهواء والبدع. وقد مضى {في الأنعام} بيانه. وقال الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وقاله قتادة ومعمر.

وقرأ حمزة والكسائي: {فارقوا دينهم}، وقد قرأ ذلك علي بن أبي طالب؛ أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. {وكانوا شيعا} أي فرقا؛ قاله الكلبي.

وقيل أديانا؛ قاله مقاتل.

{كل حزب بما لديهم فرحون} أي مسرورون معجبون، لأنهم لم يتبينوا الحق وعليهم أن يتبينوه.

وقيل: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. وقول ثالث: أن العاصي للّه عز وجل قد يكون فرحا بمعصيته، فكذلك الشيطان وقطاع الطريق وغيرهم، واللّه أعلم. وزعم الفراء أنه يجوز أن يكون التمام {ولا تكونوا من المشركين} ويكون المعنى: من الذين فارقوا دينهم

{وكانوا شيعا} على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون متصلا بما قبله. النحاس: وإذا كان متصلا بما قبله فهو عند البصريين البدل بإعادة الحرف؛ كما قال جل وعز: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} [الأعراف: ٧٥] ولو كان بلا حرف لجاز.

﴿ ٣٢