٤٦

قوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق للّه سبحانه وتعال فلا فاعل إلا هو؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: لا واللّه ما قال رسول اللّه قط إن المت يعذب ببكاء أحد، ، ولكنه قال: {إن الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذابا وإن اللّه لهو أضحك وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى}.

وعنها قالت: مر النبي صلى اللّه عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: {لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا} فنزل عليه جبريل فقال: يا محمد! إن اللّه يقول لك: {وأنه هو أضحك وأبكى}. فرجع إليهم فقال: (ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء فقل لهم إن اللّه تعالى يقول: {هو أضحك وأبكى}) أي قضى أسباب الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان واللّه أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدم هذا المعنى في، {النمل} و {التوبة}. قال الحسن: أضحك اللّه أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار.

وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر.

وقيل: أضحك الأشجار بالنوار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته. وقال سهل بن عبداللّه: أضحك اللّه المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط. وقال محمد بن علي الترمذي: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا. وقال بسام بن عبداللّه: أضحك اللّه أسنانهم وأبكى قلوبهم. وأنشد:

السن تضحك والأحشاء تحترق وإنما ضحكها زور ومختلق

يارب باك بعين لا دموع لها ورب ضاحك سن ما به رمق

وقيل: إن اللّه تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم.

{وأنه هو أمات وأحيا} أي قضى أسباب الموت والحياة.

وقيل: خلق الموت والحياة كما قال: {الذي خلق الموت والحياة} {الملك: ٢} قاله ابن بحر.

وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان؛ قال اللّه تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه} {الأنعام: ١٢٢} الآية. وقال: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم اللّه} على ما تقدم، وإليه يرجع قول عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله. وقول من قال: أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل.

وقيل: أمات النطفة وأحيا النسمة.

وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء.

وقيل: يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب.

وقيل: أنام وأيقظ.

وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} أي من أولاد آدم ولم يرد آدم وحواء بأنهما خلقا من نطفة. والنطفة الماء القليل، مشتق من نطف الماء إذا قطر.

{تمنى} تصب في الرحم وتراق؛ قاله الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح. يقال: منى الرجل وأمنى من المني، وسميت منى بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء أي يراق.

وقيل: {تمنى} تقدر؛ قاله أبو عبيدة. يقال: منيت الشيء إذا قدرته، ومني له أي قدر له؛ وقال الشاعر:

حتى تلاقي ما يَمني لك الماني

أي ما يقدر لك القادر.

﴿ ٤٦