٢٨

قوله تعالى: {كل من عليها فان} الضمير في {عليها} للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: {والأرض وضعها للأنام} {الرحمن: ١٠} وقد يقال: هو أكرم من عليها يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت: {كل شيء هالك إلا وجهه} {القصص: ٨٨} فأيقنت الملائكة بالهلاك، وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام.

وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب.

{ويبقى وجه ربك} أي ويبقى اللّه، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه، وقال الشاعر:

قضى على خلقه المنايا فكل شيء سواه فاني

وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا: ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم. وقال ابن عباس: الوجه عبارة عنه كما قال:

{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ارتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في {البقرة} القول في هذا عند قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه اللّه} {البقرة: ١١٥} وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى. قال القشيري: قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام. والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأم ووجه الصواب وعين الصواب.

وقيل: أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه.

وقيل: وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى اللّه.

{ذو الجلال} الجلال عظمة اللّه وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال: جل الشيء أي عظم وأجللته أي عظمته، والجلال اسم من جل.

{والإكرام} أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء. وقد أتينا على هذين الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى.

وروى أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: ألِظُّوا ب{يا ذا الجلال والإكرام}.

وروي أنه من قول ابن مسعود، ومعناه: الزموا ذلك في الدعاء. قال أبو عبيد: الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه. ويقال: الإلظاظ الإلحاح. وعن سعيد المقبري. أن رجلا ألح فجعل يقول: اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟

﴿ ٢٨