١٧

قوله تعالى: {فيومئذ وقعت الواقعة} أي قامت القيامة. {وانشقت السماء} أي أنصدعت وتفطرت.

وقيل: تنشق لنزول ما فيها من الملائكة؛ دليله قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} {الفرقان: ٢٥} وقد تقدم.

{فهي يومئذ واهية} أي ضعيفة. يقال: وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا. ويقال: كلام واه؛ أي ضعيف. فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي ويكون ذلك لنزول الملائكة كما ذكرنا.

وقيل: لهول يوم القيامة.

وقيل: {واهية} أي متخرقة؛ قال ابن شجرة. مأخوذ من قولهم: وهى السقاء إذا تخرق. ومن أمثالهم:

خل سبيل من وهى سقاؤه ومن أهريق بالفلاة ماؤه

أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه.

{والملك} يعني الملائكة؛ اسم للجنس.

{على أرجائها} أي على أطرافها حين تنشق؛ لأن السماء مكانهم؛ عن ابن عباس. الماوردي: ولعله قول مجاهد وقتادة. وحكاه الثعلبي عن الضحاك، قال: على أطرافها مما لم ينشق منها. يريد أن السماء مكان الملائكة فإذا انشقت صاروا في أطرافها. وقال سعيد بن جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا؛ أي ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها.

وقيل: إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها.

وقيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم؛ فيندوا كما تند الإبل، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاؤوا.

وقيل: {على أرجائها} ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة. وهذا كله راجع إلى معنى قول ابن جبير. ويدل عليه: {ونزل الملائكة تنزيلا} {الفرقان: ٢٥} و قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض} {الرحمن: ٣٣} على ما بيناه هناك. والأرجاء النواحي والأقطار بلغة هذيل، واحدها رجا مقصور، وتثنيته رجوان؛ مثل عصا وعصوان. وقال الشاعر:

فلا يرمى بي الرجوان أني أقل القوم من يغني مكاني

ويقال ذلك لحرف البئر والقبر.

قوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} قال ابن عباس: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا اللّه. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وعن الحسن: اللّه أعلم كم هم، ثمانية أم ثمانية آلاف. وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم

{أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم اللّه تعالى بأربعة آخرين فكانوا ثمانية}.

ذكره الثعلبي. وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

{يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية}.

وقال العباس بن عبدالملك: هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال. والمعنى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم.

وفي الحديث {إن لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر وكل وجه منها يسأل اللّه الرزق لذلك الجنس}.

ولما أنشد بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم قول أمية بن أبي الصلت: رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصدوالشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتوردليست بطالعة لهم في رسلها إلا معذبة وإلا تجلدقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: {صدق}.

وفي الخبر {أن فوق السماء السابعة ثمانية أو عال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش}.

ذكره القشيري وخرجه الترمذي من حديث العباس ابن عبدالمطلب. وقد مضى في سورة {البقرة} بكماله. وذكر نحوه الثعلبي ولفظه.

وفي حديث مرفوع {أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع}.

وفي تفسير الكلبي: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة. وعنه: ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر عدة الملائكة بما يطول ذكره.

حكى الأول عنه الثعلبي والثاني القشيري.

وقال الماوردي عن ابن عباس: ثمانية أجزاء من تسعة وهم الكروبيون. والمعنى ينزل بالعرش. ثم إضافة العرش إلى اللّه تعالى كإضافة البيت، وليس البيت للسكنى، فكذلك العرش. ومعنى: {فوقهم} أي فوق رؤوسهم. قال السدي: العرش تحمله الملائكة الحملة فوقهم ولا يحمل حملة العرش إلا اللّه.

وقيل: {فوقهم} أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها.

وقيل: {فوقهم} أي فوق أهل القيامة.

﴿ ١٧