٣٨

قوله تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} قال الأخفش: مسرعين. قال:

بمكة أهلها ولقد أراهم إليه مهطعين إلى السماع

والمعنى: ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم.

وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك.

وقيل: أي ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزؤوا بك. وقال عطية: مهطعين: معرضين. الكلبي: ناظرين إليك تعجبا. وقال قتادة: عامدين.

والمعنى متقارب؛ أي ما بالهم مسرعين عليك، مادين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدو. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه - عليه السلام - ولا يؤمنون به.

و {قبلك} أي نحوك.

{عن اليمين وعن الشمال عزين} أي عن يمين النبي صلى اللّه عليه وسلم وشماله حلقا حلقا وجماعات. والعزين: جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرأهم حلقا فقال:

{مالي أراكم عزين ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها - قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف} خرجه مسلم وغيره. ووقال الشاعر:

ترانا عنده والليل داج على أبوابه حلقا عزينا

أي متفرقين. وقال الراعي:

أخليفة الرحمن إن عشيرتي أمسى سراتهم إليك عزينا

أي متفرقين.

وقال آخر:

كأن الجماجم من وقعها خناطيل يهوين شتى عزينا

أي متفرقين. وقال آخر:

فلما أن أتين على أُضاخٍ ضرحن حصاه أشتاتا عزينا

وقال الكميت:

ونحن وجندل باغ تركنا كتائب جندل شتى عزينا

وقال عنترة:

وقرن قد تركت لذي ولي عليه الطير كالعصب العزين

وواحد عزين عزة، جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضا مما حذف منها. وأصلها عزهة، فاعتلت كما اعتلت سنة فيمن جعل أصلها سنهة.

وقيل: أصلها عزوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح:

{والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى - على فعل - وعزون وعزون أيضا بالضم، ولم يقولوا عزات كما قالوا ثبات}.

قال الأصمعي: يقال في الدار عزون، أي أصناف من الناس.

و {عن اليمين وعن الشمال} متعلق {بمهطعين} ويجوز أن يتعلق {بعزين} على حد قولك: أخذته عن زيد.

{أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم} قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبي صلى اللّه عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذبونه ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا لنعطين أكثر منه؛ فنزلت: {أيطعم} الآية.

وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن طلحة بن مصرف والأعرج {أن يدخل} بفتح الياء وضم الخاء مسمى الفاعل. والمعنى المفضل عن عاصم. الباقون {أن يدخل} على الفعل المجهول.

﴿ ٣٨