٢٥

قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة}

الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة.

والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة؛ يقال: نضرهم اللّه ينضرهم نضرة ونضارة وهو الإشراق والعيش والغنى؛ ومنه الحديث {نضر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها}. {إلى ربها} إلى خالقها ومالكها {ناظرة} من النظر أي تنظر إلى ربها؛ على هذا جمهور العلماء. وفي الباب حديث صهيب خرجه مسلم وقد مضى في {يونس} عند قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} {يونس: ٢٦}. وكان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية؛ ثم تلا هذه الآية: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة}

وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال: تنظر إلى ربها نظرا. وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم.

وقيل: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند اللّه من الثواب.

وروي عن ابن عمر ومجاهد. وقال عكرمة: تنتظر أمر ربها. حكاه الماوردي عن ابن عمر وعكرمة أيضا. وليس معروفا إلا عن مجاهد وحده. واحتجوا ب قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} {الأنعام: ١٠٣} وهذا القول ضعيف جدا، خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار. وفي الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

{إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية} ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} قال هذا حديث غريب.

وقد روى عن ابن عمرو ولم يرفعه. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبداللّه بن قيس عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال:

{جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جل وعز إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن}.

وروى جرير بن عبداللّه قال: كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلوسا، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال:

{إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا}. ثم قرأ {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} متفق عليه. وخرجه أيضا أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

وخرج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول اللّه أكلنا يرى ربه؟ قال ابن معاذ: مخليا به يوم القيامة؟ قال: {نعم يا أبا رزين} قال: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: {يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر} قال ابن معاذ: ليلة البدر مخليا به. قلنا: بلى. قال: {فاللّه أعظم} قال ابن معاذ قال: {فإنما هو خلق من خلق اللّه - يعني القمر - فاللّه أجل وأعظم}.

وفي كتاب النسائي عن صهيب قال:

{فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فواللّه ما أعطاهم اللّه شيئا أحب إليهم من النظر، ولا أقر لأعينهم} وفي التفسير لأبي إسحاق الثعلبي عن الزبير عن جابر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

{يتجلى ربنا عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه، فيخرون له سجدا، فيقول ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة} قال الثعلبي: وقول مجاهد إنها بمعنى تنتظر الثواب من ربها ولا يراه شيء من خلقه، فتأويل مدخول، لأن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا نظرته؛ كما قال تعالى: {هل ينظرون إلا الساعة} {الزخرف: ٦٦}، {هل ينظرون إلا تأويله} {الأعراف: ٥٣}، و {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} {يس: ٤٩}

وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى، وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان. وقال الأزهري: إن قول مجاهد تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذلك تقوله العرب؛ لأنهم يقولون نظرت إليه: إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته؛ قال: فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندبلما أراد الانتظار قال تنظراني، ولم يقل تنظران إلي؛ وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه؛ قال: نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفالوقال آخر: نظرت إليها بالمحصب من منى ولي نظر لولا التحرج عارموقال آخر: إني إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسرأي إني أنظر إليك بذل؛ لأن نظر الذل والخضوع أرق لقلب المسؤول؛ فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} {الأنعام: ١٠٣} فإنما ذلك في الدنيا. وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفى. وقال عطية العوفي: ينظرون إلى اللّه لا تحيط أبصارهم به من عظمته، ونظره يحيط بها؛ يدل عليه: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} {الأنعام: ١٠٣}

قال القشيري أبو نصر: وقيل: {إلى} واحد الآلاء: أي نعمه منتظرة وهذا أيضا باطل؛ لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء، ثم الآلاء: نعمه الدفع، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمه عنهم، والمنتظر للشيء متنغص العيش، فلا يوصف أهل الجنة بذلك.

وقيل: أضاف النظر إلى الوجه؛ وهو ك قوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} {المائدة: ١١٩} والماء يجري في النهر لا النهر. ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين؛ قال اللّه تعالى: {فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا} {يوسف: ٩٣} أي على عينيه. ثم لا يبعد قلب العادة غدا، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه؛ وهو ك قوله تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه} {الملك: ٢٢}، فقيل: يا رسول اللّه! كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال:

{الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم}. {ووجوه يومئذ باسرة} أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة. وفي الصحاح: وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها من غير ضبعة. وبسر الرجل وجهه بسورا أي كلح؛ يقال: عبس وبسر. وقال السدي: {باسرة} أي متغيرة والمعنى واحد.

{تظن أن يفعل بها فاقرة} أي توقن وتعلم، والفاقرة: الداهية والأمر العظيم؛ يقال: فقرته الفاقرة: أي كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره. وقال قتادة: الفاقرة الشر. السدي: الهلاك. ابن عباس وابن زيد: دخول النار.

والمعنى متقارب وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم؛ قاله الأصمعي. يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة ثم جعلت على موضع الحز الجرير وعليه وتر ملوي، لتذللّه بذلك وتروضه؛ ومنه قولهم: قد عمل به الفاقرة. وقال النابغة: أبى لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقره

﴿ ٢٥