٢٨

قوله تعالى: {إن هؤلاء يحبون العاجلة} توبيخ وتقريع؛ والمراد أهل مكة. والعجلة الدنيا {ويذرون} أي ويدعون {وراءهم} أي بين أيديهم {يوما ثقيلا} أي عسيرا شديدا كما قال: {ثقلت في السموات والأرض} {الأعراف: ١٨٧}. أي يتركون الإيمان بيوم القيامة.

وقيل: {ورائهم} أي خلفهم، أي ويذرون الآخرة خلف ظهورهم، فلا يعملون لها.

وقيل: نزلت في اليهود فيما كتموه من صفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحة نبوته. وحبهم العاجلة: أخذهم الرشا على ما أراد المنافقين؛ لاستبطانهم الكفر وطلب الدنيا. والآية تعم. واليوم الثقيل يوم القيامة. وإنما سمي ثقيلا لشدائده وأهواله.

وقيل: للقضاء فيه بين عباده.

قوله تعالى: نحن خلقناهم أي من طين. وشددنا أسرهم أي خلقهم؛ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم. والأسر الخلق؛ قال أبو عبيد: يقال فرس شديد الأسر أي الخلق. ويقال أسره اللّه جل ثناؤه إذا شدد خلقه؛ قال لبيد:

ساهم الوجه شديد أسره  سلس القياد تخاله مختالا

وقال أبو هريرة والحسن والربيع: شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب.

وقال مجاهد في تفسير الأسر: هو الشرج، أي إذا خرج الغائط والبول تقبض الموضع. وقال ابن زيد القوة. وقال ابن أحمر يصف فرسا:

يمشي بأوظفة شداد أسرها صم السنابك لا تقي بالجدجد

واشتقاقه من الأسار وهو القد الذي يشد به الأقتاب؛ يقال: أسرت القتب أسرا أي شددته وربطه؛ ويقال: ما أحسن أسر قتبه أي شده وربطه؛ ومنه قولهم: خذه بأسره إذا أرادوا أن يقولوا هو لك كله؛ كأنهم أرادوا تعكيمه وشده لم يفتح ولم ينقص منه شيء.

ومنه الأسير، لأنه كان يكتف بالإسار. والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية. أي سويت خلقك وأحكمته بالقوي ثم أنت تكفر بي.

وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا قال ابن عباس: يقول لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع للّه منهم. وعنه أيضا: لغيرنا محاسنهم إلى أسمج الصور وأقبحها. كذلك روى الضحاك عنه. والأول رواه عنه أبو صالح.

﴿ ٢٨