٣٤

قوله تعالى: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} أي يقال للكفار سيروا

{إلى ما كنتم به تكذبون} من العذاب يعني النار، فقد شاهدتموها عيانا.

{انطلقوا إلى ظل} أي دخان {ذي ثلاث شعب} يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب. وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب.

ثم وصف الظل فقال: {لا ظليل} أي ليس كالظل الذي يقي حر الشمس

{ولا يغني من اللّهب} أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا. واللّهب ما يعلو على النار إذ اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر.

وقيل: إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين؛ قاله الضحاك.

وقيل: اللّهب ثم الشرر ثم الدخان؛ لأنها ثلاثة أحوال، هي غاية أوصاف النار إذا أضطرمت واشتدت.

وقيل: عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب. فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين، وأما اللّهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين.

وقيل: هو الرادق، وهو لسان من نار يحيط بهم، ثم يتشعب منه ثلاث شعب، فتظللّهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار.

وقيل: هو الظل من يحموم؛ كما قال تعالى: {في سموم وحميم. وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم} {الواقعة: ٤٣} على ما تقدم. وفي الحديث: (إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم، ثم ينجي اللّه برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون: {فمن اللّه علينا ووقانا عذاب السموم} {الطور: ٢٧}

ويقال للمكذبين: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} من عذاب اللّه وعقابه

{انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب}. فيكون أولياء اللّه جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار.

ثم وصف النار فقال: {إنها ترمي بشرر كالقصر} الشرر: واحدته شررة. والشرار: واحدته شرارة، وهو ما تطاير من النار في كل جهة، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. والقصر البناء العالي.

وقراءة العامة {كالقصر} بإسكان الصاد: أي الحصون والمدائن في العظم وهو واحد القصور. قاله ابن عباس وابن مسعود. وهو في معنى الجمع على طريق الجنس.

وقيل: القصر جمع قصرة ساكنة الصاد، مثل جمرة، وجمر وتمرة وتمر. والقصرة: الواحدة من جزل الحطب الغليظ.

وفي البخاري عن ابن عباس أيضا: {ترمى بشرر كالقصر} قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل، فترفعه للشتاء، فنسميه القصر، وقال سعيد بن جبير والضحاك: هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع.

وقيل: أعناقه. وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد والسلمي {كالقصر} بفتح الصاد، أراد أعناق النخل. والقصرة العنق، جمعها قصر وقصرات. وقال قتادة: أعناق الإبل. قرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق، لحلق الحديد. وقال أبو حاتم: ولعله لغة، كما قالوا حاجة وحوج.

وقيل: القصر: الجبل، فشبه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، وهي الإبل السود؛ والعرب تسمي السود من الإبل صفرا؛ وقال الشاعر:

تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب

أي هن سود. وإنما سميت السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة؛ كما قيل لبيض الظباء: الأدم؛ لأن بياضها تعلوه كدرة: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود، لما ينوبها من صفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي: دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوىوضعف الترمذي هذا القول فقال: وهذا القول محال في اللغة، أن يكون شيء يشوبه شيء قليل، فنسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب لمن قد قال هذا،

وقد قال اللّه تعالى: {جمالات صفر} فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة. ووجهه عندنا أن النار خلقت من النور فهي نار مضيئة، فلما خلق اللّه جهنم وهي موضع النار، حشا ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه، فاسودت من سلطانه وازدادت حدة، وصارت أشد سوادا من النار ومن كل شيء سوادا، فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف، غضبا لغضب اللّه، والشرر هو أسود، لأنه من نار سوداء، فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به، فهن سود من سواد النار، لا يصل ذلك إلى الموحدين؛ لأنهم في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف، وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى، ولكن يعاينون ذلك الرمي، فإذا عاينوه نزع اللّه ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء؛ ليعلم الموحدون أنهم في رحمة اللّه لا في سلطانه وغضبه. وكان ابن عباس يقول: الجمالات الصفر: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال. ذكره البخاري.

وكان يقرؤها {جمالات} بضم الجيم، وكذلك قرأ مجاهد وحميد {جمالات} بضم الجيم، وهي الحبال الغلاط، وهي قلوس السفينة أي حبالها. وواحد القلوس: قلس. وعن ابن عباس أيضا على أنها قطع النحاس. والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في {الأعراف}.

و {جمالات} بضم الجيم: جمع جمالة بكسر الجيم موحدا، كأنه جمع جمل، نحو حجر وحجارة، وذكر وذكارة، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري {جُمالة} بضم الجيم موحدا وهي الشيء العظيم المجموع بعضه إلى بعض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي {جمالة} وبقية السبعة {جمالات} قال الفراء: يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال: رجل ورجال ورجالات.

وقيل: شبهها بالجمالات لسرعة سيرها.

وقيل: لمتابعة بعضها بعضا. والقصر: واحد القصور. وقصر الظلام: اختلاطه ويقال: أتيته قصرا أي عشيا، فهو مشترك؛ قال: كأنهم قصرا مصابيح راهب بموزن روى بالسليط ذبالهامسألة: في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت، فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره. وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته؛ ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه ومال، وكل شيء محمول عليه. وقد بين ابن عباس هذا بقوله: كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه وندخره للشتاء وكنا نسميه القصر. وهذا أصح ما قيل في ذلك واللّه أعلم.

﴿ ٣٤