|
١٧٥ { فاما الذين آمنوا باللّه } حسبما يوجبه البرهان الذى اتاهم { واعتصموا به } اى امتنعوا به عن اتباع النفس الامارة وتسويلات الشيطان { فسيدخلهم فى رحمة منه } ثواب قدره بازاء ايمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب { وفضل } احسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { ويهديهم اليه } اى الى اللّه { صراطا مستقيما } هو الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى الآخرة وهو مفعول ثان ليهدى لانه يتعدى الى مفعولين بنفسه كما يتعدى الى الثانى بالى يقال هديته الطريق وهديته الى الطريق ويكون اليه حالا منه مقدما عليه ولو اخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم الى صراط الاسلام والطاعة فى الدنيا وطريق الجنة فى العقبى مؤديا ومنتهيا اليه تعالى والاشارة فى الآية ان اللّه تعالى اعطى لكل نبى آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الامة وجعل نفس النبى عليه السلام برهانا منه وذلك لان برهان الانبياء كان فى الاشياء غير انفسهم مثل ما كان برهان موسى فى عصاه وفى الحجر الذى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا وكان نفس النبى عليه السلام برهانا بالكلية فكان برهان عينيه ما قال عليه السلام ( لا تستبقونى بالركوع والسجود فانى اراكم من خلفى كما اراكم من امامى ) وبرهان بصره { ما زاغ البصر وما طغى } وبرهان انفه قال ( انى لاجد نفس الرحمان من قبل اليمين ) وبرهان لسانه { ما ينطق عن الهوى انه هو الا وحى يوحى } وبرهان بصاقه ما قال جابر رضى اللّه عنه انه امر يوم الخندف لاتخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى اجيىء فجاء فبصق فى العجين وبارك ثم بصق فى البرمة وبارك فاقسم باللّه انهم لأكلوا وهم الف حتى تركوه وانصرفوا وان برمتنا لتغط اى تغلى وان عجيننا ليخبز كما هو. وبرهان تفله انه تفل فى عين على كرم اللّه وجهه وهى ترمد فبرىء باذن اللّه يوم خيبر. وبرهان يده ما قال تعالى { وما رميت اذ رميت ولكن اللّه رمى } وانه سبح الحصى فى يده : قال العطاوى داعىء ذرات بود آن باك ذات ... دركفش تسبيح ازان كفتى حصاد وبرهان اصبعه انه اشار باصبعه الى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما ماه را انكشنت اوبشكافته ... مهر از فرمانش ازبس تافته وبرهان ما بين اصابعه انه كان الماء ينبع من بين اصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم. وبرهان صدره انه كان يصلى ولصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء. وبرهان قلبه انه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقال تعالى { ما كذب الفؤاد ما رآى } وقال { ألم نشرح لك صدرك } وقال { نزل به الروح الامين على قلبك } وامثال هذه البراهين كثيرة فمن اعظمها انه عرج به الى السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ او ادنى وذلك برهان لنفسه بالكلية وما اعطى نبى قبله مثله قط وكان بعد ان اوحى اليه افصح العرب والعجم وكان من قبل اميا لا يدرى ما الكتاب ولا الايمان وأى برهان اقوى واظهر واوضح من هذا واللّه اكرم هذه الامة به ومن عليهم فمن آمن به ايمانا حقيقيا بنور اللّه لا بالتقليد فتجذبه العناية وتدخله فى عالم الصفات فان رحمته وفضله صفته ويهديه بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه الى جنابه تعالى فبالاعتصام يصعد السالك من الصراط المستقيم الى حضرة اللّه الكريم ولا بد للعبد من الاعتمال والاكتساب فى البداية اتباعا للاوامر الواردة فى الكتب الآلهية والسنن النبوية حتى ينتهى الى محض فضل اللّه تعالى فيكون هو المتصرف فى اموره ولذلك كان النبى عليه السلام يقول ( اللّهم لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك ) وقد قال بعض الكبار المريد من لا مذهب له يعنى يتمسك باشق الاقوال والمذاهب من جميع المذاهب فيتوضأ من الرعاف والفصد مثلا وان كان شافعيا ومن المس وان كان حنفيا وتنوير الباطن لا يحصل الا بانوار الذكر والعبادة والمعرفة وتعين على ذلك العبادة الخالصة اذا اديت على وجه الكمال والخدمة بمقتضى السنة تصقله بازالة خبث الشهوات والاخلاق المذمومات والتوحيد افضل الاعمال الموصلة الى السعادة وفى الحديث ( ان الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر اللّه يدخلون الجنة وهم يضحكون ) وفى الحديث ( ليس على اهل لا اله الا اللّه وحشة فى قبورهم ولا فى نشورهم كأنى انظر اليهم عند الصيحة ينفضون التراب عنهم ويقولون الحمد اللّه الذى اذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور ) وعلى هذا الحديث اول المشايخ هذه الآية الكريمة { والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا } اللّهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين ولا تجعلنا من الغافلين آمين |
﴿ ١٧٥ ﴾