٦٠

{ واتبعوا } اى الاسافل

{ امر كل جبار } [ فرمان هرسر كشى ]

{ عنيد } [ ستيزه كاررا ]

قال فى التبيان الجبار المتعظم فى نفسه المتكبر على العباد والعنيد الذى لا يقول الحق ولا يقبله

وقال القاضى اى من كبرائهم الطاغين

قال سعدى المفتى اشار الى ان الجبار بمعنى المتكبر فانه يأتى بمعنى المتكبر الذى لا يرى لاجد عليه حقا ويقال اذا طغى. والمعنى عصوا من دعاهم الى الايمان وما ينجيهم واطاعوا من دعاهم الى الكفر وما يرديهم

{ واتبعوا } اى التابعون والرؤساء

{ فى هذه الدنيا لعنة } اى ابعادا عن الرحمة وعن كل خير اى جعلت تابعة لهم ولازمة تكبهم فى الذعاب كمن ياتى خلف شخص فيدفعه من خلفه فيكبه وانما عبر عن لزوم اللعنة لهم بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وان ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حيثما داروا ولوقوعه فى صحبة اتباعهم فى يوم القيامة ايضا لعنة وهى عذاب النار المخلد حذفت لدلالة الاولى عليها

{ الا ان عادا كفروا ربهم } جحدوه كأنهم كانوا من الدهرية وهم الذين يرون محسوسا ولا يرون معقولا وينسبون كل حادث الى الدهر

قال فى الكواشى كفر يستعل متعديا ولازما كشكرته وشكرت له

{ ألا بعد العاد } [ بدانديكه دوريست مرعاديانرا يعنى ازرحمت دورند ] كما قال فى التبيان وعاد ارم الحديث وانما كرر ألا ودعاءه عليهم واعاد ذكرهم تهويلا لامرهم وتفظيعا له وحثا على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم : وفى المثنوى

بس سباس اوراكه مارا درجهان كرد بيدا از بس بيشينيان ... تاشنيديم آن سياستهاى حق

بر قرون ماضيه اندر سبق ... استخوان وبشم آن كركان عيان

بنكريد ويند كيريد اى مهان ... عاقل از سر بنهد اين هستى وباد

جون شنيد انجام فرعونان وعاد ... ورنه بنهد ديكران از حال او

عبرتى كيرند از اضلال او ... ثم قوله

{ ألا بعدا لعاد قوم هود } دعاء عليهم بالهلاك اى ليبعد عاد بعدا وليهلكوا والمراد به الدلالة على انهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم وذلك لان الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم ففائدته ما ذكر ثم اللام تدل ايضا على الاستحقاق وعلى البيان كأنه قيل لمن فقيل لعاد

قال سعدى المفتى ويجوز ان يكون دعاء عليهم باللعن

وفى القاموس البعد والبعاد اللعن انتهى

وفى الكفاية شرح الهداية اللعن على ضربين. احدهما الطرد من رحمة اللّه تعالى وذلك لا يكون الا للكافر. والثانى الابعاد عن درجة الابرار ومقام الصالحين وهو المراد بقوله عليه السلام ( المحتكر ملعون ) لان اهل السنة والجماعة لا يخرجون احدا من الايمان بارتكاب الكبيرة وجاء فى اللعن العام ( لعن اللّه من لعن والديه ولعن اللّه لغير اللّه من آوى محدثا ولعن اللّه من غير منار الارض )

قوله محدثا بكسر الدال معناه الآتى بالامر المنكر مما نهى عنه وحرم عليه اى من آواه وحماه وذب عنه ولم يكن ينكر عليه ويردعه. ومنار الارض العلامات التى تكون فى الطرق والحد بين الاراضى وفى الحديث ( لعن اللّه آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده والواشمة والموشومة ومانع الصدقة ولمحلل والمحلل له ) الوشم هو الزرقة الحاصلة فى البدن بغرز الابرة فيه وجعل النيلة او الكحل فى موضعه. والواشمة الفاعلة. والموشومة المفعول بما فى ذلك وفى الحديث ( لعن اللّه الراشى والمرتشى والرائش ) اى الذى يسعى بينهما وفى الحديث ( لعن اللّه الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها وللمحمولة ليه واكل ثمنها ) ويكره للمسلم ان يؤجر نفسه من كافر لعصر العنب كما فى الاشباه ويجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا لان عين العصير عار من المعصية وانما يلحقه الفساد بعد تغيره بخلاف بيع السلاح فى ايام الفتنة لان عينه آلة بلا تغيير يعنى يكره بيع السلاح ايام الفتنة اذا علم ان المشترى من اهل الفتنة لانه يكون سببا للمعصية واذا باع مسلم خمرا وقبض الثمن وعليه دين كره لرب الدين اخذه منه لان الخمر ليست بمال متقوم فى حق الذمى فملك الثمن فحل الاخذ منه وفى الحديث ( لعن المسلم كقتله )

قال ابن الصلاح فى فتاواه قاتل لحسين رضى اللّه عنه لا يكفر بذلك وانما ارتكب ذنبا عظيما وانما يكفر بلقتل قاتل نب من الانبياء

ثم قال والناس فى يزيد ثلاث فرق. فرقة تتولاه وتحبه. وفرقة تسبه وتلعنه. وفرقة متوسطة فى ذلك لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به مسالك سائر ملوك الاسلام وخلفائهم غير الراشدين فى ذلك وهذه الفرقة هى المصيبة ومذهبها هو اللائق بمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة المطهرة انتهى

وقال سعد الدين التفتازانى

اللعن على يزيد فى الشرع يجوز ... واللاعن يجزى حسنات ويفوز

قد صح لدى انه معتل ... واللعن مضاعف وذلك مهموز

وباقى البحث فيه قد سبق فى سورة البقرة ألا لعنة اللّه على الظالمين

قال فى حياة الحيوان ان اللّه تعالى لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصولة الى ما هو المقصود لنفسه وانه لم يجعلها دار اقامة ولا جزاء وانما جعلها دار رحلة وبلاء وانه ملكها فى الغالب الجهلة والكفرة وحماها الانبياء والاولياء والابدال وحسبك بها هوانا انه سبحانه صغرها وحقرها وابغضها وابغض اهلها ومحبها ولم يرض لعاقل فيها الا بالتزويد للارتحال عنها وفى الحديث ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر اللّه ومن والاه وعالما واو متعلما ) ولا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا كما روى ابو موسى الاشعرى ان النبى صلى اللّه عليه وسلم قال

( لا تسبوا الدنيا فنعمت مطلية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد اذا قال لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه من عصى ربه ) وهذا يقتضى لمنع من سبب الدنيا ولعنها. ووجه الجمع بينهما ان المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن اللّه تعالى وشاغلا عنه كما قال السلف كل ما شغلك عن اللّه سبحانه من مال وولد فهو مشئوم عليك

واما ما كان من الدنيا يقرب من اللّه ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل لسان فمثل هذا لا يسب بل يرغب ويحب واليه الاشارة حيث قال ( الا ذكر اللّه ومن والاه او عالما او متعلما ) وهو المصرح به فى قوله ( نعمت مطية المؤمن ) الخ وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين

واعلم ان حقيقة اللعن هو الطرد عن الحضرة الآلهية الى طلب شهوات الدنيا وتعب وجدانها وتعب فقدانها فهو اللعنة الدنيوية

واما اللعنة يوم القيامة فبالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران فلنفس اذا لم تقبل نصيحة هود القلب وتركت مشارب القلب الدينية الباقية من لوامع النورانية وطوامع الروحانية وشواهد الربانية واقبلت على المشارب الدنيوية الفانية من الشهوات والمستلذات الحيوانية وثناء الخلق عندهم وامثال هذا فقد جاء فى حقها ألا بعدا اى طردا وفرقة وقطيعة وحسرة لها عصمنا اللّه واياكم من مكايد النفس الامارة وشرفنا بصلاح الحال الى آخر الاعمار والآجال

﴿ ٦٠