٥٥

{ وربك اعلم بمن فى السموات والارض } وتفاصيل احوالهم الظاهرة والباطنة التى بها يستأهلون الاصطفاء والاجتباء فيختار منهم لنبوته وولايته من يستحقه وهو رد لاستبعاد قريش ان يكون يتيم ابى طالب نبيا وان يكون العراة الجوع اصحابه كصهيب وبلال وخباب وغيرهم دون ان يكون ذلك فى بعض الاكابر والصناديد وذكر من فى السموات ابطال قولهم

{ لولا انزل علينا الملائكة } وذكر من فى الارض لرد قولهم

{ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } اى من احدى القريتين مكة والطائف كالوليد بن المغيرة المخزومى وعروة بن مسعود الثقفى

وقيل غيرهما.

وفى التأويلات هو اعلم بمن جعل منهم مظهر صفة لطفه ومن جعل منهم مظهر صفة قهره فى السموات كالملائكة وابليس والارض كالمؤمنين والكافرين

{ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } قال البيضاوى وتبعه ابو السعود اى بالفضائل النفسانية والتبرى من العلائق الجمسانية لا بكثرة الاموال والاتباع حتى داود فانه شرفه بما اوحى اليه من الكتاب لا بما اوتى من الملك انتهى.

يقول الفقير هذا صريح فى انهم متفاضلون فى معنى التبرى من العلائق الجسمانية وهو خطأ فان تفاضلهم فىذلك انما هو على من عداهم من افراد الامة لا على اخوانهم الانبياء وتحقيقه انه ليس فيهم العلائق الروحانية لمنافاتها الوصول الى اللّه تعالى والاخذ من عالم القدس ولذا قالوا باب العلم باللّه لا ينفتح وفى القلب لحمة للعالم باسره الملك والملكوت

واما العلائق الجسمانية كالملك وكثرة الازواج والاولاد ونحو ذلك فهى وعدمها سواء بالنسبة اليهم فعيسى ويحيى عليهما السلام مع ما هما عليه من الزهد والتجرد الفضلية لهما فى ذلك على داود وسليمان عليهما السلام مع ما هما عليه من الملك وكثرة الازواج واسناد العلاقة اليهم ولو صورة ليس من الادب فالوجه ان التفضيل انما هو بالكتاب والرسالة والخلة والتكليم والمعراج والرؤية والشفاعة ونحو ذلك كما قال تعالى

{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم اللّه } الآية والقرآن يفسر بعضه بعضا.

قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سيره الاطهر فضل سليمان عليه السلام بالظهور بمجموع الملك وعيسى بالكلام فى المهد والتأييد بروح القدس واحياء الموتى وخلق الطين طيرا بالاذن ونحو ذلك وموسى بالتكليم واليد والعصا وفرق البحر والنفجار الحجر ونحوها وفضل صالح بخروج ناقة من الحجر ونحوها وهو دبالريح العقيم وابراهيم بالنجاة من النار ونحو ذلك ويوسف بالجمال وتأويل الرؤيا ولما تفاضل استعدادهم لتمام التجلى من حيث النبوة تفاضلوا ايضا فانه ليس فى الوجود الا متغذ مرزوق وقد فضل اللّه بعض المرزوقين على بعض والرزق حسى للجسوم وعقلى للارواح كالعلوم فاما من حيث ولايتهم الذاتية واستنادهم الى اللّه تعالى فهم نفس واحدة فلا فاضل ولا مفضول ولذا قال عليه السلام

( لا تفضلونى بين الانبياء )

{ وآتينا داود زبورا } فضيلا له كان زبور داود مائة وخمسين سورة ليس فيها حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود بل تمجيد وتحميد ودعاء نكر زبورا هنا وعرفه فى الانبياء حيث قال

{ ولقد كتبنا فى الزبور } لانهما واحد كعباس والعباس.

وفى التأويلات النجمية قوله

{ ولقد فضلنا } الآية يشير الى ان الحكمة الازلية اقتضت ارتفاع درجات المقبولين واتضاع دركات المردودين فانهما مظاهر صفة اللطف والقهر ولكل واحد من اللطف والقهر نصيب منه حكمة بالغة فى اظهار كمالات اللطف والقهر من الازل الى الابد وفضلنا الانبياء بعضهم على بعض بارتفاع المكان فى القربة وقبول اثر نظر العناية على حسب سرايته فى الامة وخيريتها ألا ترى انه عليه السلام لما كان افضل الانبياء كانت امته خير الامم وكتابه افضل الكتب ففى قوله

{ وآتينا داود زبورا } اشارة الى ان فضل النبى صلّى اللّه عليه وسلّم على داود بقدر فضل القرآن على الزبور انتهى.

وقد نعت اللّه نبينا عليه السلام وامته المرحومة فى جميع الكتب المتقدمة

اى وصف تو در كتاب موسى ... وى نعت تو در زبور داود

مقصود تويى ز آفرينش ... باقى بطفيل تست موجود

وفضله اللّه بكثرة الاتباع ايضا كما قال عليه السلام ( اهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها امتى )

وفى جامع الاصول عن الزهرى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال جلس ناس من اصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه فخرج حتى دنا منهم فسمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا ان اللّه تعالى اتخذ من خلقه خليلا اتخذ ابراهيم خليلا وقال آخر ماذا باعجب من كلام موسى كلمة تكليما وقال آخر ماذا باعجب من جعل عيسى كلمة اللّه وروحه فقال آخر ما باعجب من ادم اصطفاه اللّه عليهم فسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على اصحابه وقال ( قد سمعت كلامكم واعجبكم ان ابراهيم خليل اللّه وهو كذلك وان موسى نجى اللّه وهو كذلك وان عيسى روح اللّه وكلمته وهو كذلك وان ام اصطفاه اللّه وهو كذلك ألا وانا حبيب اللّه ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وانا اكرم الاولين والآخرين على اللّه ولا فخر وانا اول من يحرك حلقة الجنة فيفتح اللّه فادخلها ومعنى فقراء المهاجرين ولا فخر ) وفى الحديث ( ان اللّه اختارنى على الانبياء واختار اصحابى على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار من اصحابى اربعا ابا بكر وعمر وعثمان وعليا ) رضى اللّه عنهم كما فى بحر العلوم : قال المولى الجامعى قدس سره

خدا بر سروران سرداريش داد ... ز خيل انبيا سا لا ريش داد

بى ديوار ايمان بود كارش ... شد اورا جار ركن از جار يارش

فكما ان البيت يقوم بالاركان الاربعة فكذا الدين يقوم بالخلفاء الاربعة ولذلك قال عليه السلام ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ) لانهم اصول بالنسبة الى من عداهم من المؤمنين.

﴿ ٥٥