|
٤٠ { اذ تمشى اختك } مريم ظرف لتصنع على ان المراد به وقت وقع فيه مشيها الى بيت فرعون وما ترتب عليه من القول والرجع الى امها وتربيتها له بالبر والحنو وهو المصداق لقوله { ولتصنع على عينى } اذ لا شفقة اعظم من شفقة الام. قال ابن الشيخ تقييد التربية بزمان مشى اخته صحيح لان التربية انما وقعت زمان المشى ورده الى امه { فتقول } اى لفرعون وآسية حين رأتهما يطلبان له مرضيعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثديا وصيغة المضارغ فى الفعلين لحكاية الحال الماضية اى قالت { هل ادلكم } [ آيا دلالت كنم شمارا ] اى حاضران { على من يكفله } [ بركسى كه تكفل اين طفل كند واورا شير دهد ] اى يضمه الى نفسه ويربيه وذلك انما يكون بقبول ثديها - يروى - انه فشا الخبر بمصر ان آل فرعون اخذوا غلاما من النيل لا يرضع ثدى امرأة واضطروا الى تتبع النساء فخرجت مريم لتعرف خبره فجاءتهم منكرة فقالت ما قالت وقالوا من هى قالت امى قالوا ألها لبن قالت نعم لبن اخى هارون فجاءت بها فقبل ثديها { فرجعناك الى امك } الفاء فصيحة معبة عن محذوف قبلها يعطف عيها ما بعدها اى فقالوا دلينا عليها فجاءت بامك فرجعناك اليها اى رددناك : وبالفارسية [ بس بازكردانيديم ترابسوى ما درتو وبوعده وفاكرديم ] وهو قوله { انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين } وذلك لان الهامها كان من الهام الخواص الذى بمنزلة الوحى فلا تستبعد عليها هذه المكالمة المعنوية ويجوز ان يكون ذلك من قبيل الاعلام بالمبشرة { كى تقر عينها } [ تاشايدكه روشن شود جشم مادر بلقاء تو ]. وقال بعضهم تطيب نفسها بلقائك يقال قرت عينه اذا بردت نقيض سخنت هذه اصله ثم استعير للسرور وهو المراد ههنا كما فى بحر العلوم { ولا تحزن } على فقدك : وبالفارسية [ واندوهناك نكردد بفراق تو ]. قال فى الكبير فان قيل { ولا تحزن } فضل لان السرور يزيل الغم لا محالة قلنا تقر عينها بوصولك اليها ولا تحزن بوصول لبن غيرها الى باطنك انتهى. وفى الارشاد اى لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك والا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فان التخلية مقتدمة على التحلبة انتهى. يقول الفقير الواو لمطلق الجمع وايضا ان الثانى لتأكيد الاول فلا يرد ما قالوا { وقتلت نفسا } هى نفس القبطى الذى استغاثه الاسرائلى عليه كما يأتى فى سورة القصص { فنجيناك من الغم } اى غم قتله خوفا من عقاب اللّه بالمغفرة ومن اقتصاص فرعون بالانجاء منه بالمهاجرة الى مدين { وفتناك فتونا } الفتنة والفتون المحنة وكل ما شق على الانسان وكل ما يبتلى اللّه به عباده فتنة ولا يطلق الفتان على اللّه لانه صفة ذم عرفا واسماء اللّه توقيفية. فان قيل كيف يجوز ذكر الفتن عند ذكر النعم. قلنا لافتنة تشديد المحنة ولما اوجب تشديد المحنة كثرة الثواب عده اللّه فى النعم ألا ترى الى قوله عليه السلام ( ما او ذى نبى مثل ما اوذيت ) وقد فسره البعض بقوله ما صفى نبى مثل ما صفيت والمعنى ابتليناك ابتلاء. وقال بعضهم ضحناك بالبلاء طحنا : وبالفارسية [ وبيازموديم ترا آزمودنى يعنى ترادر بوثة بلاها افكنديم وخالص بيرون آمدى ] ومن ابتلائه قتله القبطى ومهاجرته من الوطن ومفارقة الاحباب والمشى راجلا وفقد الزاد ونحو ذلك مما وقع قبل وصوله الى مدين بقضية الفاء الآتية. وفى التأويلات النجمية منها فتنة صحبتك مع فرعون وتربيتك مع قومه فحفظناك من التدين بدينهم. ومنها فتنة قتل نفس بغير الحق وفرارك من فرعون بسبب قتل القبطى فنجوت منها. ومنها ابتليناك بابنتى شعيب واحتياجهما اليك فى سقى غنمهما فلولا حفظاك لملت اليهما ميل البشر للنساء. ومنها ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته وستاجاره فوفقناك للخروج من عهدة حقوقه وعهوده. قال بعض الكبار اختبره فى مواطن كثيرة ليتحقق فى نفسه صبره على ما ابتلاه به فاول ما ابتلاه اللّه به قتل القبطى بما الهمه اللّه فى سره وان يعلم بذلك الالهام ولكن كان فيه علامة ذلك وهو ان لم يجد فى نفسه مبالاة بقتله فعدم مبالاته بقتله مع عدم انتظاره الوحى علامة كونه ملهما به فى السر ولا ينبغى ان يعتريه وحشة عظيمة من ذلك الفعل . وانما قلنا انه عليه السلام كان ملهما فى قتل القبطى لان باطن النبى معصوم من ان يميل الى امر ولم يكن مأمورا به من عند ربه وان كان فى السر ولكون النبى معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يخبر بان ذلك الامر مأمور به فى السر اراه الخضر حين قصد تنبيهه على ما ذهل عنه من كونه ملهما بقتل القبطى قتل الغلام فانكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطى فقال له الخضر ما فعلته عن امرى ينبهه على مرتبته قبل ان ينبأ انه كان معصوم الحركة فى قتله فى نفس الامر وان لم يشعر بذلك واراه ايضا حرق السفينة الذى ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب جعل له ذلك فى مقابلة التابوت الذى كان فى اليم مطبقا عليه فان ظاهره هلاك وباطنه نجاة وانما فعلت به امه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون ان يذبحه مع الوحى الذى الهمها اللّه من حيث لا تشعر فوجدت فى نفسها انها ترضعه فاذا خافت عليه القته فى اليم وغلب على ظنها ان اللّه ربما رده اليها لحسن ظنها به وقالت حين الهمت ذلك لعل هذا هو الرسول الذى يهلك فرعون والقبط على يده فعاشت وسرت بهذا التوهم والظن بالنظر اليها اذ لم يكن عندها دليل يفيد العلم بذلك وهذا التوهم والظن علم باعتبار ان متعلقه حق مطابق للواقع متحقق فى نفس الامر { فلبثت سنين } عشر سنين { فى اهل مدين } اى عند شعيب لرعى الاغنام لان شعيبا انكحه بنته صفوراء على ثمانى مراحل من مصر وذكر اللبث دون الوصول اليهم اشارة الى مقاساة شدائد اخرى فى تلك السنين كايجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون. وفى التأويلات النجمية { فلبثت سنين فى اهل مدين } لتستحق بتربية شعيب وملازمته النبوة والرسالة : قال الحافظ شبان وادى ايمن كهى رسد بمراد ... كه جند سال بجان خدمت شعيب كند يقول الفقير انظر كيف ان اللّه تعالى جعل فى الامر المكروه امرا محبوبا فان قتل القبطى ساق موسى الى خدمته شعيبا الى ان استعد للنبوة وقس على هذا ما عداه واذا كانت النبوة مما يقدم لها الخدمة مع كونها اختصاصا الهيا فما ظنك بالولاية { ثم جئت } اى الوادى المقدس بعد ضلال الطريق وتفرق الغنم فى الليلة المظلمة ونحوها { على قدر } تقدير قدرته لان اكلمك واستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر او على مقدار من السن يوحى فيه الى الانبياء وهو رأس اربعين سنة وفى الحديث ( ما بعث اللّه نبينا الا على رأس اربعين سنة ) كما فى بحر العلوم واورده البعض فى الموضوعات لان عيسى عليه السلام نبئ ورفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين ونبئ يوسف عيله السلام فى البئر وهو ابن ثمانى عشر وكذا يحيى عليه السلام اوتى الحكم وهو صبى فاشتراط الاربعين فى حق الانبياء ليس بشئ كما فى المقاصد الحسنة { يا موسى } كرره تشريفا له عليه السلام وتنبيها على انتهاء الحكاية التى هى تفصيل المرة الاخرى التى وقعت قبل المرة المحكية. |
﴿ ٤٠ ﴾