٥١

{ يايها الرسل كلوا من الطيبات } خطاب لجميع الرسل لا على انهم خوطبوا بذلك دفعة لانهم ارسلوا متفرقين فى ازمنة مختلفة بل على معنى ان كل رسول منهم خوطب به فى زمانه ونودى ووصى ليلعم السامع ان اباحة الطيبات للرسل شرع قديم وان امرا نودى له جميع الانبياء ووصوا به حقيق ان يؤخذ به ويعمل عليه اى وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحا فعبر عن تلك الاوامر المتعدد المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية اجمالا للايجاز ، وقال بعضهم انه خطاب لرسول اللّه وحده على دأب العرب فى مخاطبة الواحد بلفظ الجمع للتعظيم وفيه ابانة لفضله وقيامه مقام الكل فى حيازة كمالاتهم

وقد جمع الرحمن فيك لمعاجزا ... آنكه خوبان همه دارند تو تنها دارى ... والطيبات مايستطاب ويستلذ من مابحات المآكل والفواكه

{ واعملوا صالحا } اى عملا صالحا فانه المقصود منكم والنافع عند ربكم وهذا الامر للوجوب بخلاف الاول وفيه رد وهدم لما قال بعض المبيحين من ان العبد اذا بلغ غاية المحبة وصفا قلبه واختار الايمن على الكفر من غير نفاق سقط عنه الاعمال الصالحة من العبادات الظاهرة وتكون عبادته التفكر هذا كفر وضلال فان اكمل الناس فى المحبة والايمان هم الرسل خصوصا جبيب اللّه مع ان التكاليف بالاعمال الصالحة والعبادات فى حقهم اتم واكمل

{ انى بما تعملون } من الاعمال الظاهرة والباطنة

{ عليم } فاجازيكم عليه ، وفى الآية دلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات يعنى على تقدير اعتقادهم بان ليس فى دينهم اكل الطيبات ، واعلم ان تأخير ذكر العمل الصالح يدل على ان تكون نتيجته اكل الحلال : وفى المثنوى

علم وحكمت زايد ازلقمه حلال ... عشق ورقت آيد ازلقمه حلال

جون زلقمه توحسد بينى ودام ... جهل وغفلت زايد آنرا دان حرام

هيج كندم كارى وجوه بردهد ... ديده اسبى كه كره خر دهد

لقمه تخمست وبرش انديشها ... لقمه بحر وكوهرش انديشها

زايد ازلقمه حلال اندر دهان ... ميل خدمت عزم رفتن آن جهان

قال الراغب اصل الطيب ماتستلذه الحواس والنفس والطعام الطيب فى الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز من المكان الذى يجوز فانه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم ولا فاه وان كان طيبا عاجلا لم يطب آجلا وفى الحديث ( ان اللّه طيب لا يقبل الا طيبا ) قال صاحب روضة الاخبار

فرموده لقمه كه دراصل نباشد حلال ... زونقتد مرد مكر درضلال

قطره باران توجون صاف نيست ... كوهر درياى توشفاف نيسث

وكان عيسى عليه السلام يأكل من غزل امه وكان رزق نبينا عليه السلام من الغنائم وهو اطيب الطيبات روى عن خت شداد انها بعثت الى رسول اللّه بقدح من لبن فى شدة الحر عند حظرة وهو صائم فرده اليها وقال من اين لك هذا فقالت من شاة لى ثم رده وقال من اين هذه الشاة فقالت اشتريتها بمالى فاخذه ثم انها جاءته وقالت يا رسول اللّه لم رددته فقال بذلك امرت الرسل ان لا يأكلوا الا طيبا ولا يعملوا الا صالحا ، قال الامام الغزالى رحمه اللّه اذا كان ظاهر الانسان الصلاح والستر فلا حرج عليك فى قبول صلاته وصدقته ولا يلزمك البحث بان تقول قد فسد الزمان فان هذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به ، قال ابو سليمان الدارانى رحمه اللّه لان اصوم النهار وافطر الليل على لقمة حلال احب الى من قيام الليل وصوم النهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد فى جوفه لقمة حرام ثم ان اكل الطيبات وان رخص فيه لكنه قد يترك قطعا للطبيعة عن الشهوات ، قال ابو الفرج بن الجوزى ذكر القلب فى المباحات يحدث له ظلمه فكيف تدبير الحرام اذا غير المسك الماء منع الوضوء به فكيف ولوغ الكلب ولذا قال بعض الكبار من اعتاد بالمباحات حرم لذة المناجاة اللهم اجعلنا من اهل التوجه والمناجاة.

﴿ ٥١